في خطوة استراتيجية غير مسبوقة قد تعيد رسم خريطة التوازنات الجيوستراتيجية بالشرق الأوسط، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك بمكة المكرمة. لتشكل بذلك “مثلثًا دفاعيًا” جديدًا في قلب المنطقة. وسط تصاعد غير مسبوق في التوترات الإقليمية.
يجمع الاتفاق بين ثلاث قوى إقليمية ذات قدرات مختلفة ومتكاملة. الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للرياض، والتطور الصناعي والعسكري لأنقرة، والترسانة العسكرية والنووية لإسلام آباد. وفيما يطرح الاتفاق كمظلة أمنية جديدة تهدف إلى تنويع الخيارات الإقليمية وتقليل الاعتماد على المظلات التقليدية، تبقى التساؤلات قائمة حول الحدود العملية لبند “الدفاع المشترك” وما إذا كنا أمام مجرد رسالة ردع سياسية أم بداية لولادة ناتو إسلامي قادر على تغيير قواعد اللعبة في المنطقة.
دلالات التحالف والبدائل الاستراتيجية
قال السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يعد مؤشرًا قاطعًا على بدء تشكيل منظومة أمن إقليمي جديدة، وإن هذه الخطوة تعكس رغبة خليجية وسعودية جادة في تنويع الخيارات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد المباشر والكامل على المظلة الأمنية الأمريكية.
وأكد حسن، في تصريحات خاصة، أن الاتفاق يأتي بعد سنوات من المساعي والتعثر في الوصول إلى معاهدة دفاعية ملزمة مع واشنطن. مما دفع الرياض للبحث عن ترتيبات أمنية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للتهديدات الراهنة، عبر بناء تحالفات مع قوى إقليمية وإسلامية ذات وزن عسكري لا يستهان به.
وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن انضمام تركيا يُكسب التحالف بُعدًا تكنولوجيًا وصناعيًا هامًا. لا سيما في مجالات الصناعات الدفاعية والطائرات المسيرة التي قطعت فيها أنقرة شوطًا كبيرًا. وهو ما يتكامل مع خطط المملكة لتوطين التصنيع العسكري المحلي.
البعد الباكستاني وحدود الالتزامات العسكرية
وأضاف حسن أن حضور باكستان في هذا المثلث الاستراتيجي يمنحه ثقلًا ردعيًا بالغ الحساسية، نظرًا لقدراتها العسكرية العالية وتجربتها الميدانية. مشددًا في الوقت ذاته على ضرورة عدم القفز إلى استنتاجات مبكرة بشأن وجود “مظلة نووية”. حيث يتوجب انتظار الإعلان الرسمي عن بنود التحالف ونصوصه المكتوبة.
وأشار حسن إلى أن الاختبار الحقيقي لهذا الاتفاق يكمن في ترجمة بند “الدفاع المشترك” على أرض الواقع. موضحًا أن الأيام المقبلة ستكشف حدود هذا الالتزام. وهل يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مجالات الدفاع الجوي، وتطوير الأمن السيبراني، أم يمتد للانتشار العسكري الميداني المباشر.
واختتم مساعد وزير الخارجية الأسبق حديثه بالتأكيد على أن هذا التحالف الجديد يبعث برسالة صريحة إلى كافة القوى الإقليمية والدولية. مفادها أن أمن الخليج والمنطقة لم يعد رهينًا لطرف دولي واحد. وأن الإقليم يتجه نحو صياغة معادلات أمنية جديدة تعتمد على التوازن الذاتي والشراكات المتعددة.