- أرقام الموازنة لا تعكس الصورة الكاملة للمالية العامة في ظل ضغوط خدمة الدين.
- جزء كبير من الاقتراض لا يزال يوجه لإعادة تمويل الديون لا للاستثمار.
- زيادة الاستثمار الخاص والصادرات ضرورة لتقليل الاعتماد على الاقتراض.
- نجاح الموازنة يقاس باستعادة الحيز المالي لا بتحقيق فائض أولي فقط.
- تراجع خدمة الدين يمنح الدولة مساحة أكبر لزيادة الإنفاق التنموي.
في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة تظل الموازنة العامة ليست مجرد أرقام صماء في جداول حكومية، بل هي المرآة التي تعكس أولويات الدولة وفلسفاتها في إدارة الموارد و مع تصاعد النقاش حول استدامة المالية العامة في مصر يبرز تساؤل جوهري.. هل تكفي المؤشرات المالية التقليدية كفائض أولي للتدليل على تعافي الاقتصاد الحقيقي أم أننا لا نزال ندور في حلقىة مفرغة من الاستدامة المحاسبية التي يلتهمها وحش خدمة الدين؟.
وللبحث عن إجابات تتجاوز قشور البيانات الرسمية، أجرى “القصة” حوارًا مع الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، كي يقدم قراءة تحليلية نقدية للمشهد المالي، يناقش فيه طبيعة الضغوط التمويلية، وجدوى واستراتيجيات الاقتراض، والمعيار الحقيقي الذي يمكن من خلاله الحكم على نجاح الموازنة فيالعام المالي 2026-2027، بعيدا عن لغة الارقام المجردة، وبحثا عن مسارات أكثر فاعلية لاستعادة الحيز المالي وتحفيز النمو الحقيقي. وإلى نص الحوار:
هل تعكس مؤشرات الموازنة الواقع الاقتصادي بالكامل؟
في رأيي، لا تكشف أرقام الموازنة وحدها الصورة الكاملة للمالية العامة، لأن ما يغيب عن البيانات الرسمية هو حجم الضغوط التي يفرضها ضيق الحيز المالي على قدرة الدولة على الإنفاق التنموي. فرغم تحسن بعض المؤشرات المالية، ما زال جانب كبير من موارد الموازنة يستنزف في سداد فوائد وأقساط الدين، وهو ما يحد من قدرة الحكومة على توجيه الإنفاق إلى التعليم والصحة والاستثمار العام، ويجعل التحسن في المؤشرات لا ينعكس بالضرورة على الاقتصاد الحقيقي أو على جودة الخدمات العامة.
هل يكفي تحقيق فائض أولي للحكم على سلامة المالية العامة رغم ارتفاع خدمة الدين؟
بالنسبة لسؤالك عن تحقيق فائض أولي متزايد في ظل استمرار ارتفاع خدمة الدين، أرى أن الفائض الأولي يمثل تطورا إيجابيا ويعكس قدرا من الانضباط المالي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على سلامة هيكل المالية العامة. فطالما ظلت خدمة الدين تستحوذ على نسبة كبيرة من الإنفاق العام، فإن الأزمة الهيكلية للدين لم تحسم بعد، ويظل التحسن أقرب إلى النجاح المحاسبي منه إلى التحسن الاقتصادي الكامل، والاختبار الحقيقي هو انخفاض عبء الفوائد تدريجيا بما يسمح باستعادة الحيز المالي وتوجيه الموارد إلى التنمية.
كيف تنظر إلى استمرار الاقتراض لإعادة تمويل الالتزامات السابقة؟
أما فيما يتعلق بالاعتماد على الاقتراض لإعادة تمويل الالتزامات السابقة، فأرى أن الموازنة الجديدة تتضمن خطوات لتحسين إدارة الدين وإطالة آجاله وتنويع مصادر التمويل، لكنها لم تكسر هذه الحلقة بشكل كامل، فما زال جزء معتبر من الاقتراض يذهب لإعادة التمويل أكثر من توجيهه إلى استثمارات إنتاجية ترفع القدرة على السداد مستقبلاً، لذلك يبقى الرهان الأساسي على زيادة مساهمة الاستثمار الخاص والصادرات والإنتاج في دعم النمو وتقليل الاعتماد على الاقتراض.
ما المعيار الحقيقي للحكم على نجاح موازنة العام المالي 2026-2027؟
أما عن نقطة الاختبار الحقيقية لنجاح الموازنة خلال 2026-2027، ففي رأيي ليست مؤشرا منفردا مثل التضخم أو سعر الصرف أو حتى الفائض الأولي، و إنما قدرة الدولة على استعادة الحيز المالي من خلال خفض الوزن النسبي لخدمة الدين داخل الموازنة، فإذا تراجع استنزاف الموارد في خدمة الديون، ستصبح الدولة أكثر قدرة على زيادة الإنفاق التنموي، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتحسين مستويات المعيشة والحد من الفقر، أما إذا استمرت خدمة الدين في ابتلاع الجزء الأكبر من الموارد، فستظل معظم التحسينات في المؤشرات المالية محدودة الأثر على الاقتصاد الحقيقي.