بينما كان العالم منشغلاً بترقب تدفقات النيل خلف جدران سد النهضة، قررت أديس أبابا فجأة أن تغير قواعد اللعبة وتلفت بصرها نحو الملح، لم يعد الأمر مجرد طموح اقتصادي لدولة مخنوقة جغرافياً، بل بدا كأنه محاولة لكسر قفل التاريخ والجغرافيا بالقوة، ولو كان الثمن هو العبث بسيادة الجيران.
الوصول إلى البحر الأحمر بالنسبة لآبي أحمد ليس مجرد رفاهية تجارية، بل هو هروب للأمام من أزمات الداخل نحو معركة وجود يفرضها على إقليم لا يتحمل المزيد من الحرائق.
في هذا التقرير، لا نتحدث فقط عن سفن وقواعد عسكرية، بل نغوص في كواليس صفقة أرض الصومال، التي قد تكون الفتيل الذي يشعل صراعاً جديداً، يمتد من مقديشو ليصل أثره إلى قلب القاهرة.
إثيوبيا والبحث عن منفذ بحري
قال سيادة اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز المخابرات العامة الأسبق والخبير في شؤون الأمن القومي، إن إثيوبيا تعد دولة حديثة نسبياً، ومنذ انفصال إريتريا عنها أصبحت دولة حبيسة، الأمر الذي دفعها للبحث عن منفذ بحري على البحر الأحمر.
وأضاف رشاد لـ”القصة”، أن أديس أبابا وجدت في إقليم أرض الصومال فرصة لتحقيق هذا الهدف، من خلال إبرام اتفاق مع حاكم الإقليم، بما يوفر لها منفذاً على البحر الأحمر، مؤكداً أن هذا الترتيب بات قائماً على أرض الواقع من وجهة النظر الإثيوبية.
تداعيات خطيرة على الأمن القومي
وأوضح رشاد، أن هذا التطور يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي، نظراً لأن إثيوبيا تتعامل مع كيان غير معترف به دولياً، وهو ما يمنح أرض الصومال شرعية غير مستحقة، تتعارض مع الوضع القانوني القائم الذي لا يعترف إلا بـ الصومال كدولة موحدة، وأشار إلى أن هذا المسار يهدد الأمن الإقليمي في منطقة البحر الأحمر، ويضر بجميع الدول المشاطئة له.
كما أكد أن الوجود الإثيوبي في أرض الصومال يشجع النزعات الانفصالية، ليس فقط داخل الصومال، بل في دول أفريقية أخرى، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الأفريقي من الدرجة الأولى، إلى جانب تهديده لأمن البحر الأحمر كممر استراتيجي دولي.
غياب الأساس القانوني الدولي
وشدد رشاد على أنه لا يوجد أي أساس قانوني لهذا الوجود، باعتبار أن أرض الصومال كيان انفصالي غير معترف به دولياً، وأن أي تعامل معها يعد مخالفة صريحة للقانون الدولي.
وأضاف أن هذا النهج قد يفتح الباب أمام اعترافات أحادية من دول أخرى، مشيراً إلى أن إسرائيل كانت من بين الدول التي أبدت مواقف داعمة لهذا الكيان الانفصالي.
تأثير محدود على قناة السويس
وحول تأثير الوجود الإثيوبي على قناة السويس، أوضح رشاد أن هذا التأثير يظل ضعيفا، مؤكداً أن حركة الملاحة البحرية اليوم تحكمها اعتبارات دولية وقواعد بحرية راسخة، وأن البحر هو الذي يفرض معادلاته على البر وليس العكس.
وأضاف رشاد، أن القوات الموجودة حالياً في أرض الصومال ستسعى إلى حماية هذا الوجود، في ظل انتشار قوات أخرى داخل الصومال، وهو ما ينذر بمزيد من التوترات الأمنية والفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
واختتم رشاد بالتأكيد على أن مصر تنتبه جيداً لخطورة هذا الملف، وتتحرك لدعم الصومال والحفاظ على وحدته وسيادته، في إطار حماية الأمن الإقليمي وأمن البحر الأحمر.
استراتيجي خطير في السياسة الإثيوبية
وفي إطار آخر، قال الدكتور محمد محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية والأمين العام للجنة لـ”القصة”، إن تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد حول الوصول إلى البحر باعتباره مسألة وجودية تعكس تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية لـ إثيوبيا، من دولة حبيسة تقبل واقعها الجغرافي إلى قوة إقليمية تسعى لإعادة رسم خريطة المنطقة بالقوة.
الطموح نحو البحر الأحمر.. أبعاد تتجاوز الاقتصاد
أكد مهران، أن الطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر لا يقتصر على المصالح الاقتصادية، بل يحمل أبعاداً عسكرية وأمنية خطيرة، مشيراً إلى أن توصيف الأمر كقضية وجودية يعني الاستعداد لاستخدام كل الوسائل بما فيها القوة العسكرية، بما يهدد استقرار القرن الأفريقي بالكامل.
أوضح أستاذ القانون الدولي، أن القانون الدولي يعترف بحق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحر، لكن هذا الحق مقيد باحترام سيادة الدول الساحلية، واستشهد باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تمنح حق المرور العابر فقط، دون السماح بالاستيلاء على أراضي ساحلية أو إنشاء قواعد عسكرية دون موافقة الدولة المعنية.
اتفاق إثيوبيا مع أرض الصومال.. سابقة خطيرة
وحول الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال، أكد مهران، أنه يمثل سابقة شديدة الخطورة، لكون الإقليم غير معترف به دولياً ولا يملك شرعية قانونية لمنح أراضي أو امتيازات، فضلاً عن أن الاتفاق ينتهك سيادة الصومال ويتضمن بنود عسكرية تخل بالتوازنات الاستراتيجية في المنطقه
كما حذر مهران، من أن نجاح هذا النموذج سيفتح الباب أمام الاعتراف بكيانات انفصالية مقابل امتيازات استراتيجية، ما يهدد وحدة عشرات الدول الأفريقية، مشيراً إلى أن الاتحاد الأفريقي رفض الاتفاق لما يحمله من مخاطر على مبدأ وحدة الأراضي.
انعكاسات مباشرة على الأمن القومي المصري
وشدد مهران، على أن أي وجود عسكري إثيوبي على البحر الأحمر يمثل تهديداً استراتيجياً مباشراً لـ مصر، نظراً لقربه الجغرافي، وإمكانية التأثير على حركة الملاحة، وتهديد قناة السويس، إضافة إلى تطويق مصر استراتيجياً من الجنوب بعد سد النهضة من الشرق.
كما أكد على أن هذا الملف قد يكون أكثر خطورة من ملف سد النهضة، لأنه يمس الأمن القومي المصري بصورة مباشرة، محذراً من أن القاهرة لن تقبل تحت أي ظرف بوجود عسكري إثيوبي على البحر الأحمر.
انتقال الصراع من المياه العذبة إلى الممرات البحرية
أوضح مهران أن انتقال الصراع المصري الإثيوبي من ملف سد النهضة إلى ملف البحر الأحمر احتمال واقعي، في ظل سعي إثيوبيا للجمع بين التحكم في مياه النيل والوصول إلى البحر، ما يعني تهديداً مزدوجاً لمصر من نفس الخصم الاستراتيجي.
وحذر من سيناريوهات خطيرة تشمل تصعيداً دبلوماسياً قد يصل لقطع العلاقات، وسباق تسلح في البحر الأحمر، وتحالفات إقليمية متصارعة، وصولاً إلى احتمال مواجهة عسكرية محدودة أو غير مباشرة.
صراع ممرات مائية جديد في أفريقيا
أوضح مهران، أننا أمام صراع جديد على الممرات المائية الحيوية في أفريقيا، سواء نهر النيل أو البحر الأحمر، محذراً من تطور الأمر إلى “حروب مياه” إذا غاب التدخل الدولي.
كما دعا مهران، الاتحاد الأفريقي لاتخاذ موقف صارم ضد الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال، وفرض عقوبات في حال استمرار انتهاك السيادة الصومالية، محذراً من أن الصمت يعني قبولاً ضمنياً بتفكيك الدول الأفريقية.
كل الخيارات مطروحة لحماية الأمن القومي
واختتم مهران، بالتأكيد على أن مصر ستستخدم كل الوسائل الدبلوماسية والقانونية والسياسية لمنع إقامة قاعدة إثيوبية على البحر الأحمر، مشدداً على أن الخيار العسكري يظل مطروحاً كملاذ أخير وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.