دخل الصراع الإقليمي الممتد في اليمن ومحيطه الجغرافي مرحلة عسكرية وسياسية جديدة وشديدة الحساسية، عقب الإعلان عن البدء العملي والتنفيذي لالتزامات اتفاق الدفاع المشترك الذي يجمع بين السعودية وتركيا وباكستان، وهو التطور الأمني الذي ألقى بظلاله المباشرة على معادلات التوازن العسكري بالمنطقة، وأثار تساؤلات واسعة حول حدود وطبيعة الدور الميداني للبلدان الثلاثة وتداعيات ذلك على الحرب في اليمن وأمن الملاحة بالبحر الأحمر.
ويأتي تفعيل الاتفاق الثلاثي في توقيت تشهد فيه الساحة اليمنية تصاعداً لاهباً في وتيرة المواجهات الميدانية، لا سيما عقب التحركات والتطورات الأخيرة للقوات الحكومية بالساحل الغربي ومحيط باب المندب، في خطوة قرأها مراقبون باعتبارها تحولاً في الأبعاد الأمنية للمنطقة لا يقتصر على الصراع الداخلي فقط، بل يتصل بأمن الممرات الملاحية الدولية والأمن القومي لدول الإقليم.
التزام باكستان يرتبط بالدفاع عن الأراضي السعودية
وفي تحليل دقيق يفكك الحسابات الأمنية والسياسية لإسلام آباد، قال إيجاز حيدر، المحلل والكاتب الباكستاني المتخصص في الأمن والسياسة الخارجية والشؤون الاستراتيجية لـ “القصة”، إن قرار الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا يمثل تطوراً مهماً، لكنه لا يعني بالضرورة أن إسلام آباد قررت الدخول مباشرة في الحرب اليمنية.
وأوضح حيدر أنه ينبغي التمييز بين الدفاع عن الأراضي السعودية وبين المشاركة المباشرة في العمليات داخل اليمن، مؤكداً أن الأول سيكون، في المرحلة الأولى، الإطار الأكثر وضوحاً لأي دور عسكري باكستاني، خصوصاً أن صياغة الاتفاق ترتبط بتوفير ونشر قوات وقدرات عسكرية داخل السعودية لمواجهة التهديدات التي تستهدف المملكة.
وأشار الباحث الباكستاني إلى أن موقف باكستان من الحرب اليمنية لم يكن تاريخياً قائماً على الانخراط المباشر في العمليات داخل اليمن، فعندما طلبت السعودية عام 2015 مشاركة باكستان في التحالف العسكري الذي تقوده ضد الحوثيين، ناقش البرلمان الباكستاني الأمر وانتهى إلى موقف يدعو إلى الحياد في الصراع اليمني، مع التأكيد في الوقت نفسه على استعداد باكستان للدفاع عن الأراضي السعودية في حال تعرضت لتهديد مباشر.
ولفت حيدر إلى أن التطور الحالي يطرح معادلة مختلفة، فإذا بقيت التهديدات محصورة في الأراضي السعودية، فقد يكون الدور الباكستاني أقرب إلى الدفاع الجوي، وحماية المنشآت والقواعد، وتوفير القوات والقدرات اللازمة للدفاع عن المملكة، أما إذا توسعت العمليات إلى الأراضي اليمنية، فيصبح قرار المشاركة المباشرة أكثر تعقيداً سياسياً وعسكرياً بالنسبة لإسلام آباد.
وأكد المتخصص في الشؤون الاستراتيجية أن العامل الحاسم لن يكون فقط طبيعة الطلب السعودي، و إنما أيضاً طبيعة المهمة العسكرية نفسها، فهناك فارق كبير بين إرسال قوات لحماية منشآت أو مدن سعودية وبين تكليف القوات الباكستانية بعمليات هجومية داخل اليمن، حيث يفرض السيناريو الثاني على إسلام آباد حسابات تتعلق بطبيعة الصراع اليمني، وعلاقاتها الإقليمية، وإمكانية اتساع نطاق المواجهة.
وأضاف حيدر أن تجربة عام 2015 تظل مهمة في فهم الحسابات الباكستانية، حيث أظهرت أن إسلام آباد تحاول الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الرياض دون الانخراط بسهولة في حرب مفتوحة داخل اليمن، ومن ثم فإن أي قرار جديد بالمشاركة المباشرة سيحتاج إلى مبررات أمنية وسياسية واضحة، وليس مجرد وجود اتفاق دفاعي مشترك.
وشدد الخبير الباكستاني على أن العلاقة مع إيران ستكون أحد الاعتبارات المهمة في حسابات باكستان؛ لكون إسلام آباد ترتبط بعلاقة حدودية وجغرافية وأمنية مباشرة مع طهران، ولذلك فإن دخولها في مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين أو في صراع إقليمي أوسع قد تكون له تداعيات تتجاوز الملف السعودي–اليمني.
واختتم إيجاز حيدر حديثه بالإشارة إلى أن التنفيذ العملي لاتفاق الدفاع المشترك لا ينبغي قراءته تلقائياً باعتباره إعلاناً عن مشاركة باكستانية في الحرب داخل اليمن، بل الأرجح أن طبيعة أي دور ستتحدد وفق مستوى التهديد الذي تتعرض له السعودية، ونطاق القوات المطلوبة، وطبيعة العمليات التي سيطلب من القوات الباكستانية تنفيذها، لافتاً إلى أنه إذا انتقلت المواجهة لمرحلة يصبح فيها أمن الأراضي السعودية مهدداً بصورة مباشرة ومستمرة فقد تتوسع المهام الدفاعية، غير أن الانتقال من حماية السعودية إلى تنفيذ عمليات داخل اليمن سيظل قراراً مختلفاً له اعتبارات سياسية وعسكرية وإقليمية أكثر تعقيداً.
تحول الصراع ونقطة الثقل الاستراتيجي في باب المندب
من جانبه، أكد محمود الطاهر، المحلل السياسي والصحفي اليمني، “للقصة”، أن المشهد الميداني يقف أمام تطور جديد في مسار الحرب اليمنية؛ لأن ما يحدث على الأرض لم يعد مجرد مواجهات متفرقة بين القوات الحكومية والحوثيين، و إنما بدأ يأخذ طابعاً إقليمياً أكثر وضوحاً، خصوصاً مع دخول ترتيبات الدفاع السعودية–التركية–الباكستانية مرحلة التنفيذ العملي.
وأوضح الطاهر أن التطورات العسكرية الأخيرة في الساحل الغربي وبالقرب من باب المندب تمثل أحد العوامل المهمة لفهم هذا التحرك، لأن باب المندب ليس مجرد منطقة عسكرية داخل اليمن، وإنما موقع يرتبط بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية وأمن دول المنطقة.
وأشار المحلل اليمني إلى أن استعادة القوات الحكومية لمواقع في محيط باب المندب والتقدم على بعض المحاور الساحلية، إذا استمر وتوسع، يمكن أن يضع الحوثيين أمام تحدٍ جديد، خصوصاً أن الساحل يمثل بالنسبة لهم مساحة استراتيجية تتصل بخطوط الإمداد والقدرة على التأثير في حركة الملاحة.
ولفت الطاهر في الوقت نفسه إلى أنه لا يرى دقة في القول إن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يعني تلقائياً دخول هذه الدول في الحرب البرية داخل اليمن؛ إذ إن الإطار المعلن حتى الآن يرتبط أساساً بتعزيز القدرات الدفاعية داخل الأراضي السعودية.
وأضاف أن دخول تركيا وباكستان إلى هذه المعادلة يمكن أن يغيّر شكل الصراع بصورة غير مباشرة، من خلال رفع مستوى القدرات الدفاعية السعودية وتوفير إمكانات عسكرية إضافية، وهو ما قد يمنح القوات السعودية وحلفاءها مساحة أكبر للتحرك في مواجهة التهديدات القادمة من اليمن.
وشدد الطاهر على أنه إذا تطورت الأمور إلى مشاركة مباشرة في العمليات داخل الأراضي اليمنية، فسنكون أمام تحول أكبر بكثير؛ لأن ذلك سيعني انتقال الحرب من صراع يمني تدعمه أطراف إقليمية إلى مواجهة ذات أبعاد إقليمية أكثر اتساعاً.
واختتم المحلل السياسي اليمني حديثه بالقول إن أهمية ما يحدث حالياً في باب المندب لا تتوقف عند حدود السيطرة على الأرض؛ لكون المنطقة مرتبطة بالبحر الأحمر وخطوط الملاحة والتجارة الدولية، وبالتالي فإن أي تغيير في ميزان السيطرة هناك ستكون له تداعيات تتجاوز الجغرافيا اليمنية، جازماً بأن المرحلة الحالية عنوانها الأبرز هو انتقال المعركة من محاولة كل طرف تثبيت نفوذه داخل اليمن إلى صراع على المواقع الاستراتيجية التي تؤثر في أمن الإقليم والملاحة الدولية، بناءً على قدرة القوات الحكومية على الحفاظ على مكاسبها ورصد طبيعة الرد الحوثي وحدود الدور الذي ستحدده السعودية وتركيا وباكستان.