يستمر الشاعر محمود سباق في تناول نماذج من الشعر العربي، آخذا في تحليلها وتفكيك بنيتها مستنبطا القيمة الجمالية للعمل الإبداعي، بعيدا عن هوية المبدع أو انتمائه أو جنسه.
محمود سباق يختار من الشعر الليبي المعاصر
وهنا يستعرض سباق تجربة شاعر ليبي من مثقفي طرابلس ترجمة كثير من قصائده إلى اللغة الإنجليزية، تسرب إلى أعماق الإنسان عبر كلماته وسخّر جزءا من إبداعه للاشتباك مع الواقع، مؤمن بحتمية الثورة ووجود الخلاص فيها، إنه المثقف الليبي الكبير عبد الحكيم كيشاد.

تحت عنوان “الشاعر والصحفيّ عبدالحكيم كشاد.. المسكون بالمحبَّةِ والمَعرِفَة”، يتحدث سباق عن تجربة كشاد الشعرية وعلاقته بالوسط الثقافي الليبي والعربي وكيف عرف العالم قصائده عبر الترجمة، ويتخلل حديثه تجربة سباق الذاتية مع إبداع كشاد والثقافة الليبية عموما.
شتاء طرابلس
قال الشاعر محمود سباق في مستهل تقديمه للشاعر: “للشتاء في طرابلس رائحة الألفة، وموسيقى تتجلى في انهماره، وأرواح تغتسل وترقص كالأطفال تحت زخاته، وطالما كان من ضمن أقدار الشاعر حفظ بكارة العالم وطفولته، وبعث الشباب فيما يشيخ من أرجائه، والقبض على شعلة الحياة ونثرها في الوجود مكانا وزمانا، كنت على موعد مع الشعر والشاعر في حوش محمود بي الذي يقع في المدينة القديمة ملاصقا لدار حسن الفقيه، التي تحدثا عنها في العدد السابق، أدخل الحوش، يتوسطه فناء واسع سقفه السماء، فالشمس تسكنه في النهار وتترك دفئها فيه، والقمر ينيره ليلا فيكون شاهدا على همس الحوائط ونداءات الشرفات، ولابد أن نافورة كانت تتوسطه، قبل أن يزيلوها ليتحول الفناء إلى ساحة للندوات والأمسيات الشعرية والثقافية.

من هنا كان اللقاء
وأضاف محمود سباق: “وهنا كان لقائي بالشاعر والناقد والصحفي عبد الحكيم كشاد، أحد أبرز الأسماء المؤثرة في الحركة الأدبية في ليبيا، طرابلس على وجه الخصوص، حيث ولد في منطقة قرجي بالعاصمة طرابلس في أبريل 1966، وهو صاحب صوت شجي وجسور معا، وذو وجه تكلله الأصالة وتزينه ابتسامة لا يقدر على إزالتها شيء، وهذا لأنها نابعة من روحه الحلوة المجبولة على محبة الناس والفن، له العديد من المقالات الصحفية والقراءات الفنية، وله عدة مطبوعات، منها ديوانه الرائع ما كفلته الريح، ديوان من الشعر الفصيح، وله ديوان من شعر المحكي الليبي، وقام المترجم الكبير عبدالسلام الغرياني بترجمة بعض قصائده للإنجليزية.

تجربة عبد الحكيم كشاد الشعرية
وأردف سباق متحدثا عن تجربة كشاد الشعرية: “يتناول كشاد في تجربته القضايا الإنسانية واليومية بلغة بسيطة وعذبة لا تتعالى على القارئ، فشعره يشبه روحه في بساطتها وجسارتها، إننا إذن أمام تجربة فريدة تستحق العناية والتقدير والتعريف بها التعريف الذي يليق بشاعر وهب كل طاقته وحياته للشعر والثقافة، ومن قبلها الحقيقة التي يحرص عليها في جل كتاباته.

عن كشاد وأصحابه
وأكمل سباق في خضم سرده عن لقاءاته بالمثقف الليبي: “وفي طرابلس أيضا، في شهر رمضان يكون الموعد مع الليالي الثقافية المتنوعة، وهنا تقام ندوة شعرية سيكون صاحبنا كشاد ضيفها الأبرز، وهذه المرة يشارك بوصفه ناقدا، يلقي قراءة عن شاعرين من أجمل شعراء ليبيا، وهما الشاعر محمد الشلطامي، والشاعر علي الرقيعي، يعقد كشاد مقارنة بديعة بين الشاعرين من حيث الهم الشعري، فيقول: «كان الشلطامي والرقيعي يمتحان من معين واحد، فهما مهمومان بالوطن وقضاياه، ويحلمان معا بالثورة، والتي كثيرا ما تغنيا بها في شعرهما»، ويقول أيضا: «كانت تجربة الرقيعي أغنية حب للثورة وإن كانت في تدفقها الرومانسي الملحوظ وبواقعية معاناة الفقراء والمهمشين والمعذبين في الأرض، هذه الواقعية التي امتزجت بحس رومانسي تكاد تكون القاسم المشترك بين الرقيعي والشلطامي المتقاربين ثقافة ورؤية»، كنت حاضرا أستمع مع الجمهور الغفير بدهشة واهتمام، فأنا لم أكن أعرف عنه أنه ناقد، فأيقنت أنني أمام شاعر يملك حسا نقديا فريدا من نوعه، فهذا هو صاحبنا الذي لم يتردد في الكتابة والمشاركة في عرض تجارب شعراء غيره بل والكتابة عنهم بكل حب وإخلاص وثقافة قل مثيلها في القطر الليبي كله.

عبد الحكيم كشاد المثقف الكوزموبوليتاني
وأوضح مستكملا حديثه: “فعبد الحكيم كشاد صاحب ثقافة متنوعة وشاملة، وله اهتمامات عديدة في السينما العالمية والعربية والمسرح والغناء، فنراه يكتب عن الفنان المصري الراحل أحمد زكي، ويكتب في الغناء عن الأسطورة أم كلثوم، ويقدم عرض وقراءات للروايات العالمية، وسيضم كتابه الشيق الذي يعد للطبع هذه الآونة تحت عنوان “عصا الراعي” بعضا من هذه القراءات”.

وأكمل: “ويعود حوش محمود بي حيا صداحا من جديد لأن الشعر ينشد في جنباته، والمعرفة تتمشى في أركانه، فتبعث فيه أرواح الذين مضوا وتحتفلُ مثلما نحتفل على إيقاع النشيد، تأكيدا على ضرورة الحياة وصيرورتها، وإعلاء لصوت السلام”.
من وحي الشعر والأدب
ثم يأتي سباق بنماذج من قصائد الشاعر والكاتب الصحفي عبد الحكيم كشاد وقصة وإحدى قصصه بعنوان “رسالة ضابط”.
وإلى نماذج من قصائد الشاعر
1
أيها الشعراء
لا تحلموا بمجاز طيع
فقد ركب الموجة وغادر وحده
…
أيها المحاربون
ستدخل الرصاصة من ثقبها إليكم
فانتظروا ثلجها الفوار .
…
أيها المنتظرون
سيكون لكم وقت كثير
لا وقت له..
كي تطمئنوا.
________
2
هل يتذكر الشعراء .؟
خبز القصائد الذي أكلناه ، ينام معانا على السرير
ويتقاسم معانا ارتجاف الليل
تاركا الفتات على الوسائد
ويصغي لصمتنا حين نغفو بلا وعد
كيف تبرد الكلمات عارية بلا غطاء
ويصير لها جسد يثقل حين نتركها
بلا قراءة .
هل يتذكر الشعراء .؟
أن ماكتبوه لم يكن سوى حبر من لون دمهم
وقد ترك في البياض نبض أوجاعهم
والقصيدة تصحو على هيئة وجع يتسكع
على أفواههم .
هل يتذكر الشعراء ؟
__________
3
رجل مهذّب !
…..
لا أراك تمشي ..
كما يمشي الناس
ولا تضحك مثلهم
على عاداتهم في ..
جرّ يومهم وراءهم !
و ما هم عليه !!
من غد يجهلون
ما يعد ؟!
لا أراك تستقبل ..
هذا الصباح ؟
بعين مبتهجة
وقلب واعد !
ولا بفنجان قهوتك
المانحة جسدك دفئا
ووجهك ابتسامة كنا ..
نعلّق عليها آمالنا كثيرا..
حين نراها !
لا أراك وأنت تختار
ملابسك لهذا النهار
منسجما وأنت ترتديها
عادة وتغني فيروز
وترشُّ بيدك برفانك
المميز على راحتيك
وكأنك تحاصر القذارة
التي تشرع بعد قليل
في فتح ابوابها !!
بوجوه وأماكن أنت
تعرف سماجتها !
لماذا أراك الان
كقبر متنقل ؟!!
لا ترفع على عاتقك ..
سوى سنوات
أو ربما أيام
تراها أمامك
وتغادر !
__________
4
حين نظرت !
.. ………….
من على فوهّة الدنيا
راعك ما رأيتَ .. قلتَ :
هذا اللون وتلك فُرشاة.
على الّلوحة .. لطخة
أكنت انت ام هي ما يتشكّل؟
ماذا كان يقول اللونُ ؟!
ماذا كنتما تدبيران لعالمٍ غافٍ ؟
خرجت منه كبيراً بما يكفي
لأن يكون صغيراً ..
حين نظرت
ذات مساء
___________
5
(الفتى العاقّ)
الفتى الذي ضيَّع أجنحةَ الملاك في سماء البيت..
كانت تقودُهُ رائحةُ قهوتها كل مساء
متكئًا هناك..
تغزلُ بإصبعها من شعرِه ضفائرَ حنانْ!
الفتى الذي خرج دونَ قُبلتِها وحيدًا ذلك الصباحْ
عاد ليجدَها جثَّةً بلا روح!
يتذكرُ..
حيث ابتسامَتُها رأسُ حكمةٍ
أمام زوبعةِ أبٍ غاضبْ!
الفتى العاقُّ..
الذي أُختُزِلَ في دمعةٍ غامتْ شفافِيَّتُها
ارتعشتْ على خدَّيهِ
واحترقتْ بلسْعَةٍ كاوية
ولم يصدق!
الفتى الذي رمى بكلّ أحزانِهِ..
لعلّّ ما توهَّمَ الظنُّ يُسعِفُهُ في التفاتةٍ واحدةْ!
الفتى العاقُّ
الذي ضحِكَ كثيرًا
بكى كما لم يضحكْ مِنْ قبل!
_______________
6
أطرابلس
ارتباك النوارس
صوت خفق الأجنحة
على الشاطئ
لحظة ارتطام الموج
بالماء
مراودة البحر
لرسائل شوق منسية
يحملها بريد الريح .
شارع “فرنسيس”
حيث أب ينتظر ولده
قريبا من البحر ..
منذ عشرين عاما
ذهب ليشتري سماء
فعاد وعلى كتفه
غبار المسافات .
أطرابلس
باب البحر
وقوس ماركوس أوريليوس
حجر يعيد وجه الجرمنت
قبل أن يتغير وجه السماء
وتفتح المقاهي أخبارها
على أسرار المدينة..

قصة “رسالة ضابط” لـ عبد الحكيم كشاد
“لم يكن الضابط سالم مجرد شرطي ، بل كان سطوة تمشي على قدمين رجل يعرفه الجميع بسطوته المفرطة ، بوجهه الجامد بعينيه اللتين لم تظهرا يوما اي أثر للندم أو الحيرة . كان السجناء يهابونه ، خاصة. أولئك الذين زج بهم هنا لأنهم كتبوا ما لا يجب أن يكتب المثقفون الذين طالما اعتبرهم مرضا ، كان يحتقرهم يراهم أعداء للدولة وأعداء له شخصيا لم ير فيهم سوى متمردين !
لكن شيئا غريبا كان يطرأ على سالم تلك الليلة
في غرفة الاحتجاز جلس السجناء بصمت وهم يحدقون في جدرانهم الباردة ، كانوا تعودوا على جولات التفتيش العنيفة، على التحقيقات التي لا تنتهي، على صوته الجاف وهو يطلق الأوامر.
لكن حين فتح الباب هذه المرة لم يكن سالم كما اعتادوا رؤيته. لم يكن ، لم يكن يحمل عصاه ، لم
يكن صوته حادا ، بل كان هناك شيء غريب في ملامحه
، شيء لم يره أحد من قبل . وقف عند الباب لحظة ، ثم خطا إلى الداخل مترددا، وأخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية ، وقلما لم يبد أنه استعمل كثيرا
– أريد أن تكتبوا لي رسالة
لم يتحدث أحد تبادلوا النظرات فيما بينهم ، يحاولون استيعاب مايسمعونه ، أي لعبة هذه ؟ هل هو اختبار أخر؟ هل يريد إذلالهم بطريقة جديدة لكن صوته لم يكن يحمل نبرة السلطة ، بل بدأ وكأنه يطلب شيئا لا يعرف كيف يطلبه
أخيرا كسر أحدهم الصمت :
إلى من ؟
تردد سالم لحظة وكأنه يخشى قولها بصوت مسموع ، ثم قال بصوت خافت :
إلى حبيبتي
ساد صمت آخر، لكنه كان مختلفا هذه المرة . نظروا إليه، ولم يجدوا أمامهم الجلاد الذي عرفوه ، الرجل الذي وقف أمامهم. لم يكن سوى ظل لإنسان على وشك أن ينهار
– لماذا لا تكتبها بنفسك ؟ سأل أحدهم ليس تحديا، بل فضولا
مرر سالم أصابعه على طرف الورقة ، ثم قال بصوت. بالكاد يسمع :
– لا أعرف أن أكتبها كما يجب
لأول مرة رأوا في عينيه شيئا يشبه الخجل ، الضعف التردد . الرجل الذي طالما كره الكلمات، يقف الآن أمامهم عاجزا عن استخدامها.
أحد السجناء وهو كاتب مد يده إلى القلم ، ثم قال بلطف غير متوقع :
قل ماذا تريد أن تقول لها ؟
نظر إليه سالم للحظة ، فتح فمه لكنه لم ينطق ، بدا وكأنه يبحث عن الكلمات في داخله ولم يجدها، ثم بعد صمت طويل قال بصوت خافت جدا: أخبرها أنني آسف
للحظة لم يكن هناك سجان ولا مساجين ، لم يعد هناك ظالمون ولا مظلومون، كان هناك رجل فقد القدرة على التعبير، ورجال يعرفون ثقل الكلمات !”