في عالم تحكمه موازين القوة وتتعاظم فيه التهديدات الأمنية، يظل السلاح النووي أحد أكثر أدوات الردع تأثيرًا في العلاقات الدولية.
فبينما تنظر إليه بعض الدول باعتباره تهديدًا للبشرية، تراه دول أخرى ضمانة استراتيجية لبقائها وحماية أمنها القومي.
وفي هذا الإطار، قال اللواء سمير فرج إن امتلاك السلاح النووي لا يهدف بالأساس إلى خوض الحروب، وإنما إلى منع وقوعها، مؤكدًا أن هذا السلاح يغير حسابات القوى الكبرى ويجعل أي قرار بالتدخل العسكري أكثر تعقيدًا وحذرًا.
السلاح النووي يحمي الدولة لا النظام
قال اللواء سمير فرج الخبير العسكري والأستراتيجي لـ “القصه”إن السلاح النووي يمثل بوليصة تأمين للدولة وليس للنظام الحاكم، موضحًا أن الأنظمة السياسية قد تسقط نتيجة ثورات أو تغيرات داخلية، لكن الدولة تبقى قائمة.
وأضاف أن السلاح النووي يهدف إلى منع سقوط الدولة أو تهديد وجودها الخارجي، بينما لا يضمن بقاء أي نظام سياسي في السلطة.
وأكد أن امتلاك هذا النوع من السلاح يمنح الدولة قدرة ردع استراتيجية تجعل أي طرف خارجي يعيد حساباته قبل التفكير في استهدافها أو تهديد أمنها القومي.
الردع النووي يغير حسابات الحروب
وأوضح سيادته أن التجارب الدولية الحديثة أثبتت أن امتلاك السلاح النووي يغير قواعد التدخل العسكري بشكل كامل، مشيرًا إلى أن الدول الكبرى تضع في اعتبارها احتمالات التصعيد النووي عند التعامل مع القوى النووية.
واستشهد بالحرب الروسية الأوكرانية، حيث جرى التعامل بحذر مع نوعية الأسلحة المقدمة إلى أوكرانيا وطريقة استخدامها، لتجنب أي تصعيد قد يدفع نحو مواجهة نووية مباشرة.
وأكد أن وجود السلاح النووي يجعل الدول أكثر حرصًا في قراراتها العسكرية ويضع حدودًا واضحة للتصعيد.
كوريا الشمالية نموذج لقوة الردع
وأشار فرج إلى أن امتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي فرض واقعًا مختلفًا في التعامل معها، إذ أصبحت أي مواجهة عسكرية مباشرة معها تحمل مخاطر كبيرة.
وأضاف أن الردع النووي يقوم على معادلة بسيطة مفادها أن الدولة التي تمتلك هذا السلاح تجعل خصومها يفكرون مرات عديدة قبل الاقتراب من حدود المواجهة العسكرية معها.
وأكد أن الدول النووية التسع في العالم تتمتع بدرجة عالية من الحماية الاستراتيجية، لأن أي هجوم عليها قد يفتح الباب أمام استخدام السلاح النووي وفق العقائد العسكرية المعتمدة لديها.
أداة للبقاء وليست للحرب
وشدد فرج على أن السلاح النووي في جوهره ليس أداة حرب بقدر ما هو أداة بقاء وردع، موضحًا أن الهدف الأساسي من امتلاكه ليس استخدامه فعليًا، وإنما منع الآخرين من التفكير في مهاجمة الدولة المالكة له.
وأضاف أن المجتمع الدولي لا يرغب في اتساع دائرة الدول النووية، لأن زيادة عدد هذه الدول تعني اتساع نطاق الردع النووي وصعوبة ممارسة الضغوط العسكرية عليها.
وأشار إلى أن امتلاك السلاح النووي يمثل إغراءً كبيرًا للعديد من الدول التي ترى فيه وسيلة فعالة لضمان أمنها ومنع أي تهديدات خارجية محتملة.
حرب إيران تعيد تشكيل مفهوم الردع النووي؟
وفي سياق أخرى، قال الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية، لـ “القصه”إن الحرب الأمريكية على إيران ومؤتمر المراجعة الحادي عشر لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الذي انعقد في نيويورك خلال الفترة من 27 أبريل إلى 22 مايو 2026، كشفا عن أزمة عميقة تضرب منظومة منع الانتشار النووي.
وأوضح أن الرسالة التي تستخلصها العديد من الدول من الحرب الإيرانية تتناقض مع الأهداف الأساسية للمعاهدة، حيث بات السلاح النووي يُنظر إليه باعتباره الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية الدول والأنظمة من التدخلات الخارجية ومحاولات تغيير الأنظمة بالقوة.
كوريا الشمالية ترى في الحرب الإيرانية دليلاً على صحة خيارها النووي
وأشار مهران إلى أن زعيم كوريا الشمالية اعتبر أن ما جرى في إيران يؤكد صواب قرار بلاده بالتمسك بترسانتها النووية، موضحاً أن بيونغ يانغ تنظر إلى الصراع الإيراني باعتباره دليلاً عملياً على أن الدول غير النووية تظل أكثر عرضة للضغوط والتدخلات العسكرية.
وأضاف أن القيادة الكورية الشمالية تعتبر الردع النووي أداة بقاء استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها، خاصة في ظل ما وصفه بتجارب تاريخية عززت هذا الاعتقاد لدى العديد من صناع القرار حول العالم.
دروس العراق وليبيا تضعف فلسفة معاهدة عدم الانتشار
وأكد مهران، أن التجارب الدولية خلال العقود الماضية أسهمت في ترسيخ قناعة لدى بعض الدول بأن التخلي عن برامج التسلح الاستراتيجي لا يوفر بالضرورة الحماية.
وأشار إلى أن الرئيس العراقي الأسبق واجه مصيره بعد ثبوت عدم امتلاكه أسلحة دمار شامل، بينما انتهى نظام معمر القذافي بعد سنوات من تخليه عن البرنامج النووي الليبي.
في المقابل، أوضح أن كوريا الشمالية استطاعت الحفاظ على نظامها رغم العقوبات والضغوط الدولية المتواصلة بفضل امتلاكها قدرات ردع نووية، معتبراً أن هذه الوقائع أضعفت منطق معاهدة عدم الانتشار، خاصة في ظل عدم تنفيذ الالتزامات الخاصة بنزع السلاح النووي تدريجياً من قبل الدول المالكة له.
العالم يقترب من مرحلة نووية أكثر خطورة
ولفت مهران إلى أن تحذيرات مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي بشأن تزايد النقاشات داخل عدد من الدول حول امتلاك أسلحة نووية تعكس حجم القلق الدولي الراهن، موضحاً أن دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية وبولندا وبعض دول شمال أوروبا أصبحت تناقش خيارات ردع مستقلة في ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمنية التقليدية.
وأكد أن استمرار ازدواجية المعايير داخل النظام الدولي، وعدم إخضاع جميع الدول للمعايير نفسها، يهدد بفقدان معاهدة عدم الانتشار لمصداقيتها.
وشدد على أن الطريق الوحيد لتجنب موجة انتشار نووي جديدة يتمثل في التزام القوى النووية الكبرى بتنفيذ تعهداتها الخاصة بنزع السلاح النووي بصورة جدية وشاملة، بما يعيد الثقة إلى منظومة الأمن الدولي ويمنع العالم من الوصول إلى نقطة اللاعودة النووية.