تبدو مصر، مع كل انتخابات، وكأنها تدخل امتحانًا جديدًا في ممارسة الديمقراطية، وتكشف نتائج كل انتخابات عن وجود فجوة واسعة بين الشكل المعلن والمضمون الفعلي، إذ تسير العملية الانتخابية وفق الإجراءات الرسمية التي تتمثل في فتح باب الترشح، ثم إعلان القوائم، الطعون على الأسماء المرشحة، ثم صدور الأحكام، ثم الدعاية ثم إجراء الانتخابات رسميًا.
تقرير أمريكي: مصر تسجل 18 من 100 في الحرية السياسية
كشفت أحدث دراسة صادرة عن مؤسسة “فريدوم هاوس” الأمريكية لعام 2025 عن تراجع واضح في مؤشرات الحرية السياسية في مصر، إذ حصلت مصر على 18 نقطة من أصل 100 في بند تطبيقها للحرية السياسية، ما يؤكد استمرار القيود المفروضة على المشاركة العامة وتعدد الأصوات داخل المجال العام.
وأوضحت الدراسة أن مصر حصلت على درجة (1 من 4) في بندي النزاهة الانتخابية وحياد القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، فيما جاءت النتيجة (0 من 4) في بندي حق المواطنين في المشاركة السياسية ووصول قوى المعارضة إلى السلطة عبر الانتخابات، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس تراجعًا ملموسًا في بيئة التنافس السياسي وغياب العدالة في فرص المشاركة أمام القوى المستقلة والمعارضة.

قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات تثير الجدل
وأظهرت قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات، وما تبعها من أحكام المحكمة الإدارية العليا، ملامح لمشهد انتخابي يبدو وكأنه غير متكافئ، بعض الشئ، فبينما أُعيد مرشحون محسوبون على أحزاب الموالاة إلى السباق بعد قبول طعونهم، جرى استبعاد أسماء من المعارضة، حتى بعد أن حاولوا تصحيح أوضاعهم القانونية.
من الوجه البحري إلى الوجه القبلي، تكرر المشهد نفسه مع اختلاف الأشخاص، حيث وجدنا مرشحون يستبعدوا في اللحظات الأخيرة، طعون رفضت بالجملة، وفي الوقت ذاته وجدنا أسماء مرت بكل بسهولة.
وجاءت قرارات المحاكم مخيبة للآمال، حيث قضت الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة في 23 أكتوبر الجاري، برفض 89 طعنًا وتأييد أحكام محكمة القضاء الإداري الصادرة بشأن استبعاد عدد من المرشحين من انتخابات مجلس النواب 2025، كما قررت المحكمة إحالة 5 طعون إلى دائرة الموضوع للفصل فيها، بينما قبلت 3 طعون فقط.
من هم أصحاب الطعون المقبولة؟
أعادت المحكمة الإدارية العليا المرشح توفيق أبو أحمد إلى سباق انتخابات مجلس النواب عن الدائرة الثانية (سيدي سالم – الرياض) بمحافظة كفر الشيخ، بعد قبول طعنه على قرار استبعاده السابق.
وكان استبعاد أبو أحمد جاء على خلفية اتهامات تتعلق بسوء السمعة والاستيلاء على الأموال، إلا أن المحكمة رأت عدم كفاية المبررات القانونية لاستبعاده، ليعود رسميًا إلى المنافسة ممثلًا عن حزب مستقبل وطن.
وقررت المحكمة قبول الطعن المقدم من مجدي عاشور، المرشح عن دائرة الزقازيق والقنايات، بعد أن قدم ما يثبت استقالته من حزب مستقبل وطن وتنازله عن صفته الحزبية، حيث كان سبب استبعاده ترشحه مستقل وهو ينتمي إلى الحزب، وبذلك عاد عاشور رسميًا إلى قوائم المرشحين لخوض انتخابات مجلس النواب المقبلة كمستقل.
وفي الدائرة نفسها، الزقازيق والقنايات، قبلت المحكمة الطعن المقدم من المرشح خالد بشر بعد أن قدّم أيضًا مستندات تفيد استقالته من حزب مستقبل وطن وتنازله عن صفته الحزبية، ما مهّد الطريق لعودته إلى السباق الانتخابي.
أبرز المرفوضين في انتخابات مجلس النواب المقبلة
قضت المحكمة الإدارية العليا برفض الطعن المقدم من المهندس هيثم الحريري، النائب السابق والمرشح عن دائرة محرم بك ومينا البصل بالإسكندرية، وتأييد قرار استبعاده من سباق انتخابات مجلس النواب 2025، وجاء القرار استنادًا إلى أن المرشح مستثنى من الخدمة العسكرية، وهو ما اعتبرته الهيئة الوطنية للانتخابات لا يندرج ضمن حالات الإعفاء القانوني.
ورفضت المحكمة الإدارية الطعن المقدم من محمد عبد الحليم، مرشح حزب التحالف الشعبي الاشتراكي عن دائرة المنصورة، لتؤيد قرار استبعاده من الانتخابات بعد اتهامه بتعاطي مواد مخدرة، ورغم أن المرشح أجرى تحليلًا جديدًا بمعامل وزارة الصحة وأثبتت نتيجته السلبية، إلا أن المحكمة أيدت قرار الهيئة الوطنية للانتخابات باستبعاده من السباق.
وأقرت المحكمة الإدارية العليا رفض الطعن المقدم من أسامة شرشر، المرشح عن دائرة منوف وسرس السادات، ضد قرار استبعاده من سباق الانتخابات، لعدم استيفائه بعض شروط الترشح القانونية.
إدراج مرشح محكوم عليه بالحبس ضمن قوائم المرشحين
ورغم رفض الطعون السابقة ضد الهيئة الوطنية للانتخابات، تم إدراج اسم أحد المرشحين المتهم بانتحال صفة طبيب تجميل ضمن الكشوف النهائية لمرشحي انتخابات مجلس النواب 2025 بمحافظة الفيوم.
وكشفت تحقيقات النيابة العامة بمحافظة الفيوم عن تورط أحد المرشحين في انتخابات مجلس النواب 2025 بانتحال صفة طبيب تجميل.
وتبين أن المتهم سبق وصدر بحقه حكم نهائي بالحبس لمدة 4 سنوات في قضية مماثلة بعد استنفاد جميع درجات التقاضي، ليصبح الحكم واجب التنفيذ،
وأوضحت أوراق القضية أن محكمة جنح أول الفيوم أدانت المرشح بإجراء عملية جراحية لسيدة بتاريخ 27 أبريل 2024، تسببت لها في مضاعفات صحية، رغم أنه غير مقيد بسجل الأطباء البشريين ولا يحمل ترخيصًا لمزاولة المهنة.
وضبطت الأجهزة الأمنية بحوزته معدات طبية وأدوات مخصصة للأطباء، ونشر مواد دعائية ولوحات توحي بامتلاكه الحق في ممارسة الطب، في مخالفة صريحة للقانون.
وكان الغريب في الأمر أن اسم المرشح ورمزه الانتخابي ورد ضمن الكشوف النهائية للمرشحين عن بندر ومركز الفيوم، بعد انتهاء فترة تلقي الطعون والفصل فيها، رغم الحبس الصادر ضده.
قيادي بحزب المحافظين: النظام يصنع معارضيه
قال عمرو الشريف، عضو المجلس الرئاسي لحزب المحافظين، في تصريح على هامش أحد المؤتمرات أمس، إن المشهد الانتخابي الحالي يذكره بحقبة الألفينيات، مشيرًا إلى قولته الشهيرة: “النظام يصنع معارضيه”.
وأضاف الشريف، أن المعارضة المصنوعة واضحة في المشهد السياسي الحالي، حيث تظهر جماعات ومعارضات بشكل رسمي لكن تأثيرها الفعلي محدود، بينما الفساد في المحليات وصل حدًا كبيرًا وفق تعبيره، معركة لمحاولة معارضته دون جدوى تذكر.
وأردف الشريف أن هذه الظاهرة تشكل “مدرسة للممارسة السياسية المصنوعة”، مؤكّدًا أن الفهم الحقيقي لقوة المعارضة يحتاج إلى التمييز بين المعارضة الحقيقية والمعارضة الشكلية التي تصنعها الظروف السياسية القائمة.
سياسي: إقصاء المعارضة يعد خطرًا سياسيًا حقيقيًا
قال المهندس محمد عبد الغني، السياسي وعضو لجنة إعادة إعمار غزة بنقابة المهندسين، إن ما يشهده المشهد الانتخابي الحالي من استبعاد متعمد للأصوات المعارضة يمثل خطرًا سياسيًا حقيقيًا.
ودعا عبد الغني المسؤولين عن المشهد السياسي والانتخابي إلى فتح الأفق السياسي، والسماح للشعب بسماع صوت مختلف، معتبرًا ذلك حقًا وواجبًا ووسيلة لإنقاذ حرية التعبير وضمان حياة سياسية سليمة.
أمين حزب مستقبل وطن: اختيار الناخب حر
أكد أحمد عبد الجواد، الأمين العام لحزب مستقبل وطن، أن المشاركة الفاعلة في انتخابات مجلس النواب 2025 تمثل واجبًا وطنيًا ومسؤولية مشتركة بين جميع أبناء الشعب المصري، مشددًا على أن الحزب يرحب بمشاركة جميع المواطنين في العملية الانتخابية، سواء اختاروا مرشحي “مستقبل وطن” أو غيرهم من المرشحين المستقلين أو الحزبيين.
وقال عبد الجواد في تصريح صحفي، إن اختيارات مرشحي الحزب تمت وفق معايير واضحة وموضوعية، تضمن تمثيلًا حقيقيًا لمختلف فئات المجتمع، وبما يحقق التوازن بين الكفاءة والقدرة على خدمة المواطنين.
وأشار إلى أن الانتخابات حق دستوري لكل مواطن، داعيًا الناخبين إلى النزول بكثافة إلى صناديق الاقتراع والمشاركة الإيجابية في تحديد من يمثلهم خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف عبد الجواد: “المهم المشاركة، المهم إنه يطلع المواطن ويقول رأيه ويختار المرشح اللي شايفه قادر على تمثيله خلال الفترة الجاية”، مؤكدًا أن الهدف الأساسي للحزب هو تعزيز الوعي السياسي والمشاركة الشعبية في صناعة القرار.