للعام الثالث على التوالي تغيب أصوات الأضاحي الحقيقية عن أسواق قطاع غزة المحاصر، فالمنع الإسرائيلي المستمر حول طقوس عيد الأضحى إلى مجرد ذكرى حزينة على الرفوف، لكن تحت سماء لا تكف عن إمطار الصواريخ وفي قلب الحرب الممتدة قررت فاطمة أبو حطب ألا تترك الطفولة الغزية فريسة لليأس وصنعت بيديها بديلًا يفيض بالحب والبهجة.
صناعة الفرح من لا شيء لمواجهة آثار الحرب
ومن بقايا الأقمشة وخيوط الصوف المتوفرة وبعض القطن تنهمك فاطمة أبو حطب في خيمتها وساعات نهارها الطويلة لصناعة دمى صغيرة على شكل خرفان العيد، لافتةً إلى أنها لم تطلق مجرد مبادرة ترفيهية بل تقود ثورة نفسية لحماية عقول وقلوب الأطفال من آثار الصدمات والوجع.
وتقول فاطمة في حديثها لـ “القصة” وعيناها تلمعان بإصرار امرأة غزية: “حين رأيت الأسواق فارغة تمامًا من الأضاحي للعام الثالث وعرفت أن الأطفال لن يعيشوا بهجة العيد كباقي أطفال العالم قررت أن أصنع الخروف بأبسط الإمكانيات، فهذه الدمى ليست مجرد ألعاب بل هي رسالة للأطفال بأن العيد سيأتي وأن الفرح حق لنا حتى لو كنا نعيش في خيمة”.
دموع تتحول إلى ضحكات ومعركة للحفاظ على الهوية
وبين الخيام المتهالكة تتنقل فاطمة لتوزيع هذه الدمى على الصغار في مشهد يبدو سرياليًّا حيث يخرج الطفل من وسط الغبار والحرمان ليمسك بدمية قطنية بيضاء ويحتضنها كمن عثر على كنز مفقود، مشيرةً إلى أن هذه اللمسات البسيطة حولت ملامح الانكسار في مخيمات النزوح إلى طاقة من الضحك واللعب ليعود للعيد صوته ولو من خلال دمية قماشية.
وتدرك فاطمة بوعيها الإنساني أن غياب الأضاحي لثلاث سنوات متتالية قد يمحو من ذاكرة الصغار مفهوم عيد الأضحى وطقوسه السنوية، لذا فإن مبادرتها تأتي كفعل مقاومة للحفاظ على الهوية والذاكرة فالطفل الذي يحمل دميته اليوم سيعرف أن هناك عيدًا وهناك أملًا بالعودة وأن الحصار نجح في منع دخول الماشية لكنه فشل تمامًا في مصادرة بهجة العيد من صدورهم.
إنها حكاية سيدة لم تنتظر المعجزات لتغير واقع الحرب بل حركت أصابعها ومغزلها لتخيط للأطفال ثوبًا من الفرح من بين شقوق الوجع الرمادي.
