مع أول موجات المطر وانخفاض درجات الحرارة، لا يبدو الشتاء في قطاع غزة فصلاً عابرًا، بل اختبارًا قاسيًا للبقاء، ففي وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية، يتحول نقص الوقود من أزمة لوجستية إلى تهديد مباشر للحياة، إذ تتعطل المستشفيات، تتباطأ سيارات الإسعاف، تغلق المخابز، وتغرق الخيام التي تأوي آلاف النازحين، بينما يقف المرضى والأطفال في مواجهة البرد بلا حماية.
وقود غزة الممنوع
هذا التقرير يرصد “القصة” عبر شهادات طبية رسمية وإفادات منظمات دولية وأصوات نازحين من قلب المخيمات، كيف يشل غياب الوقود مفاصل الحياة في غزة، ويضع القطاع الصحي والإنساني على حافة الانهيار الكامل.
شريان حياة
الدكتور محمود فرحات، الذي يعمل في أطباء بلا حدود، يؤكد أن النقص الحاد في الوقود يشل بشكل مباشر القدرة على تشغيل المستشفيات والمرافق الصحية في قطاع غزة، موضحا أن الوقود ليس فقط لتشغيل المولدات الكهربائية، بل هو أساس استمرار الحياة داخل المستشفى: تشغيل غرف العمليات، وحدات العناية المركزة، الحضانات، أجهزة التنفس الصناعي، محطات الأكسجين، ضخ المياه، وتعقيم الأدوات.
مع انخفاض درجات الحرارة في الشتاء، تتفاقم الأزمة، يقول “فرحات”موضحا أن غياب الكهرباء يعني غياب التدفئة في غرف المرضى، وخصوصًا أقسام الأطفال وحديثي الولادة، ما يحول المستشفيات إلى بيئة غير آمنة طبيًا.
خدمات طبية تتوقف.. والموت احتمال قائم
هل اضطرت الفرق الطبية لتقليص أو إيقاف خدمات حيوية؟
يجيب “فرحات” بنعم، اضطرت “فرقنا الطبية إلى تقليص خدمات حيوية، وأحيانًا إيقافها مؤقتًا، بسبب نفاد الوقود أو عدم ضمان استمراريته. من بين أكثر الخدمات المهددة”: غرف العمليات غير الطارئة، غسيل الكلى، بعض خدمات العناية المركزة، تقليص ساعات عمل أقسام الطوارئ، تعليق خدمات التصوير الطبي (الأشعة، التصوير المقطعي).
ويحذر من أن أخطر ما يخشوه هو لحظة التوقف الكامل للمولدات، لأن ذلك يعني عمليًا حكمًا بالموت على المرضى الموصولين بأجهزة دعم الحياة.
الأطفال وكبار السن في مرمى الخطر.. ما المخاطر الصحية المباشرة على المرضى، خاصة الأطفال وكبار السن؟
يقول “فرحات” إن المخاطر الصحية جسيمة وفورية، وإن الأطفال حديثي الولادة يواجهون خطر انخفاض حرارة الجسم (Hypothermia)، خصوصًا في الحضانات التي تحتاج إلى كهرباء مستمرة للحفاظ على درجة حرارة مستقرة.
ويشير إلى أن كبار السن والمرضى المزمنين معرضون لتفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي، كما أن انعدام التدفئة في الخيام والمستشفيات يزيد من معدلات الالتهابات الصدرية، والإنفلونزا، والالتهاب الرئوي، إضافة إلى مخاطر الإنتان بسبب ضعف المناعة وسوء الظروف الصحية.
ويضيف: “في ظل غياب الوقود، أصبحت سيارات الإسعاف تعمل بالحد الأدنى أو تتوقف كليًا، نضطر أحيانًا إلى: المفاضلة بين الحالات الحرجة، تأخير نقل المرضى، استخدام وسائل نقل غير مجهزة طبيًا، وللأسف، هناك حالات فقدت حياتها نتيجة التأخير في الوصول إلى المستشفيات أو عدم القدرة على تحويلها إلى مرافق أكثر تخصصًا، وهذه وفيات يمكن تفاديها لو توفر الوقود”.
الأزمة تتجاوز المستشفيات: خبز وماء في خطر
ما تأثير نقص الوقود على المخابز وتحلية المياه؟
يقول “فرحات” إن نقص الوقود يؤثر بشكل كارثي على:
المخابز: توقفها يعني حرمان آلاف العائلات من الخبز، ما يفاقم سوء التغذية، خاصة لدى الأطفال.
محطات تحلية وضخ المياه: يؤدي ذلك إلى نقص المياه الصالحة للشرب، وانتشار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الإسهال والتهاب الكبد. هذا التأثير يتجاوز الجانب الإنساني ليصبح تهديدًا صحيًا جماعيًا.
ويؤكد أن الوضع الإنساني داخل مراكز الإيواء كارثي، إذ تعيش آلاف العائلات في خيام مهترئة لا تقي من المطر أو البرد، أو في مدارس مكتظة تفتقر إلى التهوية والصرف الصحي.
ويشير إلى أنهم يرصدون مخاطر حقيقية لتفشي: التهابات الجهاز التنفسي، الأمراض الجلدية، الجرب، الإسهال، التهابات المسالك البولية. الرطوبة والبرد وسوء التغذية تشكل بيئة مثالية لانفجار أوبئة.
أرقام رسمية.. القطاع الصحي على حافة الانهيار
ومن جانبه، يقول الدكتور زاهر الوحيد، مسؤول مركز المعلومات في وزارة الصحة بقطاع غزة، إن أزمة نقص الوقود تؤثر بشكل كبير ومباشر على عمل المستشفيات ومركبات الإسعاف في القطاع، موضحًا أن أكثر من 197 مركبة إسعاف وأكثر من 17 مستشفى تعمل حاليًا بشكل جزئي بسبب عدم دخول الوقود بانتظام.
ويوضح أن غياب الوقود يعني عمليًا توقف العمليات الجراحية، وأقسام العناية المركزة، ومحطات الأكسجين التي تزود مرضى العناية المركزة بالأكسجين، وحضانات الأطفال، وخدمات غسيل الكلى، مؤكدًا أن لذلك انعكاسات خطيرة على هذه الفئات.
18 حالة وفاة بسبب البرد خلال عام
كما يلفت إلى أن وزارة الصحة رصدت خلال العام الماضي 18 حالة وفاة نتيجة البرد، لافتًا إلى أنه لم يتم تسجيل حالات وفاة جديدة مؤخرًا، رغم مرور القطاع بسيناريوهات وصفها بـ”السيئة للغاية”، معتبرًا أن اقتحام المستشفيات وإخراجها عن الخدمة واحدًا تلو الآخر يعد من أسوأ السيناريوهات التي مر بها القطاع الصحي.
وذكر أن الوضع الصحي في غزة يواجه تحديات كبيرة جدًا، أبرزها نقص الخدمات الصحية، ونقص الأدوية والمعدات، ونقص الأجهزة الطبية، إلى جانب استمرار إغلاق المعابر، وعلى رأسها معبر رفح، مشيرًا إلى أن أكثر من 19,500 مريض بحاجة إلى علاج خارج القطاع لم يتم إجلاؤهم، ما يعرض حياتهم لخطر حقيقي، لافتًا إلى فقدان أكثر من 1,200 مريض نتيجة استمرار إغلاق المعابر.
وقود أقل من الحد الأدنى
ويشير الدكتور زاهر أيضًا إلى أن كمية الوقود التي دخلت قطاع غزة مؤخرًا كانت محدودة للغاية مقارنة بالحاجة الفعلية، فقد أدخلت الأمم المتحدة نحو 75 ألف لتر من الوقود فقط في شحنة واحدة، بعد أكثر من 130 يومًا من انقطاع الإمدادات وهي كمية ليست كافية لتغطية حتى يوم واحد من احتياجات الطاقة في القطاع، بحسب المتحدثين باسم الأمم المتحدة.
ويضيف أن الاحتياجات الفعلية للوقود في غزة كبيرة جدًا، حيث يحتاج القطاع الصحي فقط عشرات الآلاف من اللترات يوميًا لتشغيل المستشفيات والمولدات الحيوية، بينما تتطلب المرافق الأخرى مثل محطات المياه والمخابز كميات إضافية للحفاظ على الخدمات الأساسية دون توقف، هذه الفجوة بين ما يدخل فعليًا وما هو مطلوب يوميًا تعني أن الوقود لا يغطي سوى جزءًا ضئيلاً من الاحتياجات، ما يدفع العديد من المرافق للعمل بنظام طارئ أو محدود للغاية.
التعنت الإسرائيلي واغلاق المعابر يضع آلاف المرضى على حافة الخطر
وحول الاتفاقات المتعلقة بإدخال الوقود، يوضح الوحيدي أن لا يوجد التزام فعلي أو منتظم بما يتم الإعلان عنه، مشيرًا إلى أن التعنت الإسرائيلي المستمر وإغلاق المعابر، خاصة معبر رفح، يحول دون إدخال الوقود والمعدات الطبية بشكل كاف، الأمر الذي يضع حياة آلاف المرضى على المحك، خاصة أكثر من 19 ألف مريض يحتاجون للعلاج خارج القطاع.
ويحذر مسؤول مركز المعلومات من أن استمرار هذا الوضع يعني مزيداً من الانهيار في القطاع الصحي، مؤكدًا أن وزارة الصحة فقدت بالفعل أكثر من 1200 مريض نتيجة إغلاق المعابر ومنع الإجلاء الطبي، مطالبا المجتمع الدولي بفتح المعابر فوراً، وإدخال الوقود والمستلزمات الطبية، ودعم المستشفيات بكوادر صحية متخصصة لإسناد الطواقم المنهكة.
رسالة عاجلة للمجتمع الدولي
ووجه رسالة عاجلة إلى المجتمع الدولي، طالب فيها بفتح المعابر لإدخال الأجهزة والمعدات الطبية والأدوية والمستلزمات اللازمة للقطاع الصحي، وفتح معبر رفح لإجلاء المرضى، خاصة أكثر من 19 ألف مريض بحاجة للعلاج في الخارج، إلى جانب تأهيل القطاع الصحي والمستشفيات التي تعرضت للتدمير، ودعم القطاع الصحي بكوادر صحية وفنية متخصصة لإسناد الطواقم الطبية العاملة.
شهادات من المخيمات.. “المطر دخل علينا قبل البرد”
تقول نازحة من أحد مخيمات النزوح جنوب قطاع غزة إن الخيام لم تصمد أمام أول موجة مطر حقيقية، موضحة أن المياه غمرت أرضية الخيمة بالكامل، واضطرت أسرتها لقضاء الليل واقفين أو جالسين فوق أمتعة بسيطة.
وتضيف: “البرد مشكلته مش في الجو بس، المشكلة إن الخيمة مفتوحة من كل ناحية، والأطفال بيصحوا بالليل من البرد والمطر.”
الأفران تحت التهديد.. خبز أقل وطوابير أطول
يقول صاحب فرن يعمل بالتعاون مع جهة إغاثية إن نقص الوقود أجبر العديد من الأفران على تقليص ساعات العمل أو التوقف الكامل، ما أدى إلى زيادة الطوابير أمام الأفران العاملة وحرمان كثير من العائلات من الخبز اليومي.
ويضيف: “الفرن ممكن يشتغل ساعات قليلة وبعدين يقفل، لأن الوقود مش ثابت، والطلب أكبر بكتير من المتاح”.
حين يصبح البرد قاتلًا.. غزة بلا وقود وبلا حماية
بين مستشفيات تعمل على الحد الأدنى، وسيارات إسعاف بلا وقود، وخيام لا تصمد أمام المطر، يعيش قطاع غزة شتاءً قاسيًا يهدد الحياة يومًا بعد يوم.
الوقود هنا ليس رفاهية، بل خط الدفاع الأخير بين الإنسان والموت، ومع استمرار غيابه، يبقى السؤال معلقًا: كم روحًا يجب أن تزهق قبل أن يتحرك العالم؟