في الـ26 من أغسطس 2024، كانت تلك آخر مرة يرى فيها والده.. لم يكن هذا اليوم مجرد تاريخ في ذاكرة الحرب، بل لحظة فاصلة في حياة شاب من غزة، انتهت فيها الأبوة وبدأت المسؤولية، باستشهاد والده، لم يفقد العائلة عائلها فقط، بل فقدت الطفولة معناها، وتحولت الخيمة إلى بيت، والجوع إلى رفيق يومي، والمطر إلى تهديد دائم.
حكاية شاب غزاوي صار أباً لـ6 أطفال بعد استشهاد والده
بين 6 أطفال بلا مصدر دخل، وأخ أكبر يحاول أن يكون أباً و سنداً في آنٍ واحد، يكشف “القصة” حكاية إنسانية موجعة عن عائلة فلسطينية تعيش على وجبات التكية، وتقاوم الغرق في البرد والخوف، و تتشبث بكرامة لم تسقط رغم الحرب.. هذه ليست قصة شفقة، بل شهادة حية من قلب غزة، عن ضحايا ما زالوا يقفون… لأن السقوط لم يعد خياراً.
لم يكن وداعا عاديا، بل بداية لحياة جديدة فرضت عليه بالقوة، حياة انقلب فيها من ابن إلى أب، ومن شقيق إلى سند لستة أطفال، في مدينة لا تعرف الاستقرار.
منذ استشهاد والده، يقول محمد خضير لـ”القصة” إن كل شيء تغير، “في كل الوقت”.
تغير شكل الأيام، وتغير معنى المسؤولية، وتحولت الطفولة في عيون إخوته إلى قلق مبكر لا يشبه أعمارهم، اليوم، تعيش الأسرة المكونة من سبعة أفراد داخل خيمة، خيمة لا تحمي من البرد ولا من المطر، لكنها الملاذ الأخير.
عندما يهطل المطر، لا يفكر محمد في نفسه، ولا في التعب الذي ينهش جسده، أول ما يخطر بباله: كيف يخرج المياه من الخيمة؟ وكيف يحمي الأطفال من الغرق ومن الخوف؟ لا يوجد مصدر دخل.
ويقول محمد بصوت مختنق، بأن الوجبة اليومية تأتي من “التكية”، وقد لا تكون كاملة دائمًا، لكنها كافية ليستمروا، مضيفاً بأن الاحتياج الأكبر الآن هو الملابس والطعام، لكن الاحتياج الأصعب هو الأمان، ذلك الشعور الذي اختفى منذ استشهاد الأب.
ويوضح عن والده يقول بكلمات قليلة: «أبي… الله يرحمه»، كلمات تختصر فقدا لا يحكى، ومساحة صمت أوسع من أي وصف، ورغم كل ذلك، يكرر دائمًا: “الحمد لله على كل حال”.
ليس إنكارا للوجع، بل تشبثا بما تبقى من قوة، فكل ما يريده اليوم أن يرى إخوته مبسوطين، أن يضحكوا، ولو لثواني، وسط هذا الركام، وعندما سئلنا: كيف تحب أن يراك العالم؟ أجاب بلا تردد: “ضحايا”، ضحايا حرب سرقت الآباء، وضحايا خيام غرقت بالمطر، وضحايا جوع لا يظهر في نشرات الأخبار.
هذه ليست قصة عابرة، ولا رقما جديدا في إحصائيات الحرب، هذه شهادة إنسانية من قلب غزة، عن شاب كبر قبل أوانه،. وأطفال فقدوا الأب، وعائلة تحاول البقاء، في انتظار عدالة لم تأتي بعد.