لم يعد المشهد الإيراني مجرد ملف سياسي قابل للقراءة التقليدية، بل أصبح ساحة مفتوحة لتقاطع الرسائل العسكرية مع حسابات الدبلوماسية، وتتحرك طهران بخطوات محسوبة على إيقاع التهديد والردع، بينما تراقب القوى الدولية المشهد بقلق حذر. تصريحات متلاحقة، مناورات عسكرية، وتحركات إقليمية تعكس أن المنطقة تقف عند نقطة توازن هش، قد ينقلب في أي لحظة من ضغط سياسي إلى صدام مفتوح.
في هذا السياق، تبرز إيران كلاعب لا يكتفي بردود الفعل، بل يعيد رسم معادلات النفوذ مستخدمًا أدوات متعددة، من استعراض القوة إلى فتح نوافذ تفاوض غير مباشرة. وبين تصعيدٍ محسوب ورسائل تهدئة خفية، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام إدارة أزمة ذكية، أم اقتراب فعلي من لحظة الانفجار؟
آخر التصريحات الأمريكية والإيرانية
في هذا السياق، قالت الدكتوره دينا مدير مركز العرب للدراسات لـ”القصة”، إن آخر التحديثات حول التصريحات الأمريكية والإيرانية تشير إلى صراحة ترامب في الاعتراف بوجود وساطات خارجية، عربية وإقليمية ودولية، فيما يخص التصعيد تجاه إيران.
وأشارت دكتور دينا إلى أن بعض الحديث تناول توجيه ضربات محتملة، مع التأكيد على أن المناورات الدبلوماسية والخطابات السياسية من ترامب لا يجب أخذها كأمر مؤكد، لكنها تحمل احتمالات للتهدئة عبر وسطاء خليجيين كُبار، كما أن مصر وتركيا دخلت في إطار الوساطة.
وأوضحت أن الأطراف الإقليمية والدولية تسعى للتهدئة، في ظل الضغوط الداخلية التي يواجهها ترامب من مظاهرات واحتجاجات قد تؤثر سلبًا على الانتخابات المقبلة، موضحة أن الرئيس الأمريكي قد يسعى للصراع العسكري كوسيلة لإسكات خصومه، لكنه ليس بالضرورة السبب الكافي لتوجيه ضربة مباشرة.
الاستعراض العسكري والتصريحات المخيفة
وأشارت دكتور دينا إلى أن إيران بدأت في استعراض عسكري مهيب، متزامنًا مع تصريحات مخيفة، وهو ما يعتبر مراهنة سياسية أمام دفع دبلوماسي من الطرفين.
وأضافت أن الولايات المتحدة بدأت باستعراض مواردها العسكرية وحاملات الطائرات، لزيادة الضغوط على إيران، حتى في حال الدخول في مفاوضات، ستكون تحت تأثير الحشد العسكري والتهديد.
وفي المقابل، تابعت دكتور دينا أن إيران قرأت المشهد جيدًا وبدأت هي الأخرى في استعراض قدراتها العسكرية، مع الحديث عن الممرات المائية والتصعيد الإقليمي، بالإضافة إلى دعم روسي وصيني ظاهر بعد أن كان في الخفاء. وأكدت أن أمريكا ستتراجع عدة مرات قبل توجيه ضربة شاملة لإيران.
أدوات إيران للرد على الضغوط الأمريكية
وذكرت دكتور دينا أن إيران يمكنها استخدام عدة أدوات للرد على الضغوط دون اللجوء مباشرة للحرب:
الوساطات الإقليمية: لها دور كبير جدًا في تهدئة التصعيد.
الشركاء الدوليون والإقليميون: مثل الصين، التي أعلنت دعمها لإيران بشكل واضح في تصريحاتها الأخيرة.
المعلومات الاستخباراتية: تأثير المعلومات حول الأهداف داخل إيران يمكن أن يضع الخصم تحت أقصى الضغوضات وفق ما أوضحت دكتور دينا.
وأكدت أن الاعتماد على القوة العسكرية بشكل موسع هو ما يريده الطرف الصهيوني، مما يزيد من خطورة التصعيد الإعلامي والسياسي
دور الخليج والدول الكبرى
أشارت دكتور دينا إلى أن دور الخليج مهم في الوساطة، مشيرة إلى دور السعودية وسلطنة عمان ومصر، بالإضافة إلى تركيا التي تسعى للمشاركة في الوساطة.
أما بالنسبة لأوروبا، فأوضحت دكتور دينا أن انشغالها بمشاكلها الداخلية والخارجية جعل إيران تعتبرها كيانًا غير فاعل في الأزمة، رغم استثناء بعض الأطراف الأوروبية.
كما أشارت إلى موقف روسيا المتحفظ، وعدم رغبتها بخسارة الولايات المتحدة، وخاصة في مناوراتها مع أوروبا وأوكرانيا، بينما تلعب الصين دورًا قويًا في دعم إيران بشكل واضح.
الحل الأمثل للخروج من الأزمة
وأكدت أن الحل الأمثل هو الخيار الدبلوماسي والتفاوضي، مشيرة إلى أهمية الجلوس على طاولة المفاوضات لتجنب الفوضى والدمار، مثل ما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي.
وشددت دكتور دينا على ضرورة تراجع الطرف الإيراني عن العناد، وعودة الطرف الأمريكي لتقديم ضمانات تثبت جدية المفاوضات، لزيادة الثقة بين الطرفين.
المناورات العسكرية وتحولات التحالفات الدولية
في ظل الأنباء عن مناورات محتملة بين إيران وروسيا والصين، أكدت دكتور دينا أن هذه المناورات تمثل رسالة ردع، وليست بداية حرب مباشرة، وأن التحالفات الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية بين هذه الدول موجودة منذ سنوات في الخفاء.
وأوضحت دكتور دينا أن الصين وروسيا لن تنغمس في حرب شاملة مباشرة مع إيران، وإنما الهدف هو تعزيز النفوذ والتحذير من أي عمل عسكري أمريكي أو إسرائيلي مباشر.
تأثير المناورات على حسابات واشنطن وتل أبيب
أشارت الدكتور دينا إلى أن نتنياهو يعلم أن عدم الدخول في حرب قد يؤثر على موقعه السياسي ، بينما الطرف الأمريكي قد يخسر كثيرًا في حال المواجهة المباشرة، ما يجعل المشهد العسكري الحالي مجرد استعراض للضغط على إيران من أجل التفاوض.
وأوضحت أن احتمال وجود حرب خفية أو عمليات مستقبليًا لا يمكن استبعاده، لكنها ليست في الوقت الحالي مواجهة شاملة.
في إطارٍ آخر، قال اللواء شيبل، الخبير الاستراتيجي والعسكري، “للقصة”، إن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت توترًا كبيرًا، حيث جرى الدفع بـ 35 طائرة مقاتلة من طراز F إلى الأردن، بالإضافة إلى تجهيز 12 طائرة أخرى في بريطانيا، ليصل إجمالي عدد الطائرات إلى 47 طائرة خلال 24 ساعة فقط.
تحركات بحرية أمريكية في اتجاه الشرق الأوسط
وأضاف شيبل، أنه من خلال القوات البحرية تم الدفع بحاملة طائرات قادرة على حمل نحو 90 طائرة، إلى جانب عدد من المدمرات وكاسحات الألغام والوحدات البحرية والزوارق، في اتجاه الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن احتمالية توجيه ضربة عسكرية قائمة بنسبة تصل إلى 50%، بغضّ النظر عمّا إذا كانت إيران قد فتحت باب التصعيد أم لا، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تقوم بتجهيزات واضحة في اتجاه ضرب إيران.
حاملة طائرات دون إعلان رسمي
وأوضح اللواء شيبل أن حاملة الطائرات جورج بوش قد أبحرت بالفعل من الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه حتى الآن لم يُعلن رسميًا عن موقعها أو وجهتها.
وأشار شيبل إلى أن الاقتصاد الإيراني ليس في أفضل حالاته خلال الفترة الراهنة، في ظل الحظر الاقتصادي المفروض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أدى إلى تفتيت الاقتصاد الإيراني، رغم أنه كان في وقت سابق من أقوى اقتصادات منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف اللواء شيبل أن إيران تمر، نتيجة هذا الحظر، بظروف اقتصادية بالغة الصعوبة، أثرت على التسليح والمعيشة على حد سواء، وهو ما تعانيه الدولة الإيرانية في الوقت الحالي.
تداعيات إقليمية محتملة
وأكد شيبل أن هذا التحرك الأمريكي تجاه إيران سيكون له تأثير مباشر على منطقة الشرق الأوسط بالكامل، والدول العربية بصفة عامة، وعلى منطقة الخليج بصفة خاصة
وأشار اللواء شيبل إلى أن منطقة الخليج تُعد الأقرب إلى دائرة هذا التوتر، وأن اندلاع حرب في هذه المنطقة سيؤدي إلى تأثيرات سلبية شديدة.
الملف النووي والتفوق الإسرائيلي
وأوضح شيبل أن هذه الحرب المحتملة تعود في جوهرها إلى الفاعل الإيراني، مشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح، مهما كانت الضغوط أو الظروف، بامتلاك إيران سلاحًا نوويًا، وهو ما يدفعها للتحرك في هذا الاتجاه.
وأضاف اللواء شيبل أن الولايات المتحدة تحرص دائمًا على التفوق النوعي لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، أيًّا كان نوع التسليح الذي تمتلكه دول المنطقة، مؤكدًا أن واشنطن شديدة الحرص على استمرار هذا التفوق.
الاختراقات الاستخباراتية داخل إيران
وأشار شيبل إلى أن إيران لعبت دورًا ذكيًا خلال الفترة الماضية، حيث كانت مخترقة استخباراتيًا بشكل كبير من قبل الموساد الإسرائيلي، إلا أنها خلال فترات التوتر الداخلي قامت بقطع الإنترنت عن الجمهورية الإيرانية بالكامل، واكتشفت وجود استخدام ستارلينك للتواصل مع الموساد داخل أطراف إيرانية.
وأضاف اللواء شيبل أن ذلك أدى إلى الوصول إلى عدد كبير من العملاء داخل إيران، والقبض على جزء منهم، رغم أن إسرائيل كانت متوغلة استخباراتيًا وتمتلك معلومات واسعة عن المواقع النووية والأسلحة الإيرانية.
الولايات المتحدة قوة مهيمنة
وأوضح شيبل أن ما يُثار حول المناورات العسكرية، في حال تنفيذها، لا يوجّه رسالة حقيقية للولايات المتحدة، مؤكدًا أن واشنطن تفعل ما تريد، سواء مع الاتحاد الأوروبي أو في منطقة الشرق الأوسط، وقد سبق أن ضربت إيران دون تردد.
وأكد اللواء شيبل أن الولايات المتحدة تُعد القوة الأوحد عالميًا في الوقت الراهن، رغم وجود بعض التحالفات التي تحاول الحد من نفوذها، إلا أن ذلك – وفق تقديره – غير قابل للتحقق، خاصة في ظل قيادة ترامب، حيث تتحرك أمريكا وفق ما تراه مناسبًا في أي منطقة من العالم.
غياب الحلول السلمية
واختتم شيبل حديثه بالتأكيد على أنه لا يتوقع وجود حل سلمي للأزمة، موضحًا أن الولايات المتحدة لا ترغب في ذلك، مستشهدًا بما حدث خلال حرب الأيام الـ12 بين إسرائيل وإيران، حيث كانت هناك مفاوضات قائمة في سلطنة عمان بين الجانبين الإيراني والأمريكي، ومع ذلك شنت واشنطن في اليوم التالي ضربة خاطفة في العمق الإيراني.
وأكد اللواء شيبل أن المفاوضات لن تُجدي نفعًا، في ظل الجمود الإيراني من جانب القيادة الإيرانية، مشددًا على أن الهدف الأمريكي ليس تغيير النظام الإيراني، وإنما الضغط على إيران فيما يخص برنامجها النووي، بما يضمن بقاء إسرائيل القوة الأوحد في منطقة الشرق الأوسط، وهو الهدف الأساسي للولايات المتحدة.