أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

حِرَف وحِرَفيون وبينهما زبائن!!

محمد المنشاوي

لمَّا كانت مصر عريقة في نشأتها، وعظيمة في حضارتها، فقد عرفت منذ فجرها الأول كل ألوان الحرف التي لازمت بناء وتشييد المعابد والقصور والتماثيل والتوابيت والمقاعد والأَسِرَّة وأدوات الصيد وآلات القتال وأدوات الطعام والشراب وأدوات الترفيه واللهو والفنون.

وذلك كله ثابت ثبوتًا ماديًا، تزخر به متاحفنا القومية، وطرأ عليها من التجديد ما طرأ، وما كانت هذه الحضارة لتقوم إلا بسواعد حرفيين مصريين مهرة، عاشوا يبنون ويعمرون على ضفاف النيل، ولم يزل لهم دورهم البنَّاء الذي لا يمكن إنكاره بحال من الأحوال، حتى أصبحت لهم طوائف تضمهم، ولكل حرفة شيخ يرعى مصالح أبنائها ويشرف على صنعتهم، وبلغوا من الجودة والإتقان أن استعانت بهم الخلافة التركية في تشييد عاصمتها الأستانة، واستعملهم الوالي محمد علي في بناء دولته احتكارًا في أول الأمر، ثم تحريرهم من أسر هذا الاحتكار بعد ذلك، ولكن ظل ذوو الحرف يعملون تحت مظلة حكومة الوالي وإشراف الشيوخ، وبانتهاء الحرب العالمية الأولى، ضعف نظام طوائف الحرف، الذي كان يرعى أصحابها ويدعمهم، ولكن ظلت هذه الحرف تمثل عصبًا متينًا في الفضاء الاجتماعي المصري يستحيل الاستغناء عنه، فلا يستغني بيت مصري عن السباك والمُبلِّط والنقاش والبنَّاء، واستجدَّت حرف كالكهربائي وفني الدش وإصلاح الراديو والتلفاز والثلاجة والغسالة، إلخ.

ورغم ما أصاب تلك الحرف من تقلبات في أنظمتها وهياكلها الاجتماعية، بقي أصحابها يؤدون أدوارهم بمهارة وإتقان، محافظين بما تبقى لهم من عادات وتقاليد وأخلاق مهنية مرعية في شؤون حرفهم، ولكن لأن دوام الحال من المحال كما يقولون، فإن ضربة موجعة قاصمة حلت بهذه الحرف وأصحابها، صحيح أن هناك حرفًا كانت قد فقدت وظيفتها تمامًا بسبب ما طرأ على المجتمع المصري وغيره من تطورات في الأدوات بفعل دخول التكنولوجيا وطغيانها، فاختفت حرف (مُبيِّضي الأواني النحاسية) و(مصلحي بواجير الجاز) و(السقَّائين) وغيرها التي لم يعد للمجتمع حاجة إليها، فلم يعد أمام أصحاب هذه الحرف إلا طريقان لا ثالث لهما، وكلاهما مر، فإما أن يحترفوا هم وأولادهم (وهم صبيانهم بطبيعة الحال الذين يرثون الحرفة عن آبائهم) حرفة أخرى رائجة ومطلوبة لسوق العمل، وهذا أمر بالغ الصعوبة إذ يمثل انقلابًا خطرًا في مصير تلك الأسر، وإما أن يعيشوا يعانون من البطالة والتعطُّل مما يدفع بهم إلى دروب التسول والاستجداء أو الجريمة.

أخبار ذات صلة

IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"

ومن ثم كان ينبغي على الجهات المسؤولة أن تنتبه إلى هذا التحول والانقلاب في حياة هؤلاء الذين لا جريمة لهم ولا ذنب غير أن قطار التكنولوجيا قد داهمهم وسحقهم تحت عجلاته، فقد كان يلزمهم من يعين شيوخهم اجتماعيًا لسد فاقتهم وحاجتهم، من ناحية، وإعادة تأهيل صبيانهم في حرف أخرى بالتدريب والرعاية لينخرطوا في المجتمع من جديد كحرفيين فاعلين، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث على الإطلاق، إذ كانت الدولة المصرية قد ألقت بكل قوتها في سياسة عمياء ليس للفقير ولا أصحاب الحرف البسيطة حيِّز يُذكر في اهتمام راسمي سياسات الانفتاح الساداتي، فلم يجد هؤلاء طرقًا قويمة يسلكونها غير طرق الانحراف والتشرد أو الوقوع في فخ جماعات التطرف الديني التي استغلتهم استغلالًا مضللًا واسع النطاق، فصنعت منهم مجتمعًا تحتيًا عميقًا ينشر كل ألوان الجهل والتطرف.

وأما من راجت حرفهم من أصحاب الطوائف الأخرى، وبخاصة المهرة منهم، فقد وجدوا أبواب الهجرة إلى الدول الخليجية الشقيقة وغيرها قد فُتِحت على مصراعيها لهم، فاندفعوا إليها جماعات تترى غير منقطعة تحدوهم أحلام الثراء والصعود الطبقي، ويا لها من هجرة غيرت وجه المجتمع المصري تغيرًا ليس له مثيل!!! إذ عاد هؤلاء وجلبوا معهم كل ألوان الأمراض الاجتماعية الرهيبة من تدين شكلي وفكر متطرف واستعلاء طبقي شديد الجهالة.

أما من بقي من هؤلاء الحرفيين ولم تتح له فرصة الهجرة، فكان صغار الحرفيين أو كبارهم، وبينهم من يتقن حرفته وبعضهم لا يكاد يعلم منها إلا اليسير، الذي أقحم نفسه في حرفته بمنطق الفهلوة والاحتيال، وبتنا أمام مشهد مأساوي بمعنى الكلمة، إذ هجر بعض الحرفيين حرفهم الرائجة وعملوا في أعمال أخرى ظنًا منهم أنها أكثر ربحًا، وظلت فئة أخرى تعمل في حرفها ولكن أصاب بعضهم ما أصابهم من الانحراف وإدمان المخدرات، فهبطت سلوكهم وأخلاقهم إلى مستويات متدنية لا يجهلها مواطن مصري.

وتوترت العلاقة بين أولئك الحرفيين الجدد وبين مواطنيهم المصريين نظرًا لغياب الثقة بهم من ناحية إتقان الحرفة، وشيوع الفهلوة فيها من ناحية، وعدم ثقة كل زبون بأخلاق هذا الحرفي الذي إن لم يكن مدمنًا للمخدرات فهو بلطجي بامتياز، ومستغل وجشع ولص محترف في معاملاته مع زبائنه، ومغالٍ في أجرته ما يفوق طاقة هذا الزبون الذي يضطر صاغرًا في نهاية الأمر إلى الرضوخ والاستسلام لهذا السيد الحرفي والحاكم بأمره، فلا شيخ له يلجأ إليه الزبون ليحتكم إليه، ولا جهة تضبط سلوكه وتنظم مهنته.

وبات البحث عن سباك أمين، على سبيل التمثيل، أمرًا مزعجًا ومقلقًا، فمن يضمن ذلك الحرفي القادم للعمل في بيته؟ فربما يكون محتالًا أو بلطجيًا أو مدمنًا أو لصًا أو جشعًا، فالحرفي الأمين المتقن لحرفته وصاحب الضمير المهني اليقظ بات عملة نادرة، والوصول إليه بات دربًا شائكًا.

ومن ثم فإننا بحاجة إلى طوائف منظمة وفق قوانين ضابطة لهذه الحرف وممارستها اليومية لكي تحافظ على حقوق كلا الطرفين: الحرفي والزبون، قوانين قادرة على محاسبة كل حرفي إذا انحرف عن آداب الحرفة أو الصنعة، قوانين تحدد أجرة الحرفي دون أن تنتقص من حقه ولا تضر بالزبون في آن واحد، ذلك لأن الأسر المصرية تئن من وطأة هذه المشكلة المعقدة التي تهدد أمنهم وتقلق راحتهم.

وفي صدارة هذه الإجراءات التي يتوجب على الجهات المعنية سرعة القيام بها، إصدار قانون لتنظيم الطوائف الحرفية المختلفة، وفتح مراكز التدريب المهني لإعادة تأهيل الحرفي تأهيلًا فنيًا عاليًا من ناحية، وأخلاقيًا من ناحية أخرى، وحظر عمل كل حرفي مدمن أو بلطجي حتى يُعاد تأهيله، مع ضرورة وجود شهادات من الجهات الحكومية والأجهزة المسؤولة تفيد بمدى أهليته لممارسة حرفته فنيًا وأخلاقيًا.

إنه مطلب شعبي عام لا يحتاج إلى تلكؤ أو تجاهل.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان

أقرأ أيضًا

الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب
محمد المنشاوي
حِرَف وحِرَفيون وبينهما زبائن!!
IMG-20260320-WA0000
الموسيقى والسمك المملح واللبس الجديد.. تقاطعات بين عيدي الأحفاد والأجداد
IMG_9301
الحرب الصهيو أمريكية على دولة كشري ستان العربية