في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري، عاد ملف أسعار الكهرباء إلى واجهة الجدل العام مجددًا، بعد قرار رفع سعر الكيلووات/ساعة في العدادات الكودية إلى 2.74 جنيه، مع إلغاء نظام الشرائح بشكل كامل.
ويأتي القرار في وقت تتزايد فيه الأعباء المعيشية على الأسر، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه الزيادات إلى مزيد من الضغط على محدودي الدخل، خاصة في المناطق غير المقننة التي تعتمد بشكل أساسي على العدادات الكودية، ما أعاد طرح تساؤلات حول حدود العدالة الاجتماعية في سياسات التسعير الحالية.
كما يثير القرار نقاشًا أوسع حول فلسفة دعم الطاقة، ومدى التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي من جهة، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا من جهة أخرى، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ نمو الدخول.
وفي السياق نفسه، تتزايد التحذيرات من أن تحميل المواطن أعباء إضافية في قطاعات أساسية مثل الكهرباء قد ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، خصوصًا مع ارتباط الطاقة بكلفة الإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
وبين اعتبارات الإصلاح وضغوط الواقع المعيشي، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة السياسات الحالية على تحقيق معادلة متوازنة بين الاستدامة المالية للدولة، والحماية الاجتماعية للمواطن.
البرلماني السابق هيثم الحريري يعبر عن رفضه القاطع للقرار الجديد برفع سعر الكيلووات/ساعة في العدادات الكودية إلى 2.74 جنيه، وإلغاء نظام الشرائح بالكامل، معتبرًا أن القرار يُمثل “عبئًا جديدًا على المواطن” ونهاية لأي نوع من الحماية لذوي الاستهلاك المحدود.
الكهرباء والعبء المتكرر على الجيوب
وقال الحريري إن القرار يُضيف فاتورة جديدة فوق مشكلات المواطنين المعيشية المتراكمة، وإن مثل هذه القرارات تُكرس نمطًا متكررًا يحول الكهرباء من خدمة أساسية إلى مصدر تمويل دائم لأزمة الدولة المالية، دون أن يشعر المواطن بتحسن ملموس في جودة الخدمة أو تغطية الشبكة.
إلغاء الشرائح ونهاية الحماية لمحدودي الاستهلاك
وأشار إلى أن إلغاء نظام الشرائح يعني أن المواطن الذي كان يُصنَّف من الفئات ذات الاستهلاك المنخفض، ويُفترض أن يُعامل باعتباره محتاجًا لحماية أكثر، بات اليوم يُفرض عليه نفس السعر الذي يُفرض على المستهلك الكبير، ما يُفقد النظام أي عنصر من العدالة الاجتماعية أو التمييز الإيجابي.
من الفاتورة الميسرة إلى الفاتورة الموحدة
ووصف الحريري التحول من فاتورة ميسرة مرتبطة بالاستهلاك إلى فاتورة موحدة مسطحة بأنه “علاقة ميكانيكية بين الدولة والمواطن”، حيث يُختصر دور الدولة في جباية مصادر التمويل، فيما يُختصر دور المواطن في تحمل الفواتير المتزايدة بلا أي ضمانات اجتماعية أو تدابير تُخفف من العبء على الفئات الضعيفة.
“المواطن كحل دائم لأزمات المالية العامة”
وطرح الحريري تساؤلًا حادًا: “ليه المواطن هو الحل الدائم لأي أزمة مالية؟”.
وأوضح أن كل يوم يشهد قرارات جديدة بزيادة كلفة المعيشة، من كهرباء إلى غاز إلى خدمات عامة، دون زيادة حقيقية في الدخل أو تحسن في مستوى الخدمات، ما يُولد فجوة متسعة بين فاتورة المعيشة وقدرة الأسر على الوفاء بها.
زيادة الفواتير بلا موازنة مع الدخل
أكد أن المواطن يشعر وكأنه يُحاسب على فقره، بينما لا توجد معالجة حقيقية لإصلاح منظومة الدخل أو إعادة توزيع الأعباء بين الطبقات والقطاعات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الزيادات تُفرض كمسلمات دون نقاش كافٍ حول البدائل.
القروض تُدفع من جيب المواطن دون عائد ملموس
وانتقد سياسات الاقتراض والإنفاق، موضحًا أن القروض تُسدد في النهاية من جيب المواطن عبر الضرائب ورفع الأسعار، دون أن ينعكس ذلك بشكل واضح على تحسين الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والمرافق العامة.
العدالة الاجتماعية بين الفاتورة والحماية
وأشار إلى أن الأكثر تأثرًا بهذه السياسات هم الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة سكان المناطق غير المقننة، الذين يتحملون زيادات الأسعار دون تحسين موازٍ في جودة الخدمة أو البنية التحتية، متسائلًا عن غياب العدالة في توزيع الأعباء.
تبسيط الفواتير لا يعني تجاهل العدالة
وأوضح أن تبريرات تبسيط المحاسبة وتحسين التحصيل لا تبرر تحميل المواطنين أعباء إضافية، في ظل الحاجة إلى إصلاحات أعمق في منظومة الدعم والضرائب والإنفاق العام.
الكرامة تبدأ من حياة معيشية مستقرة
واختتم الحريري بأن المواطن ليس مجرد أداة دفع، وأن كرامته تبدأ من قدرته على العيش دون ضغوط متصاعدة من الفواتير، داعيًا إلى سياسات أكثر توازنًا تراعي البعد الاجتماعي إلى جانب الاعتبارات المالية.
ومن الجانب الاقتصادي قال حسام عيد، الخبير الاقتصادي، إن “قرار رفع الدعم عن الكهرباء للقطاعين التجاري والصناعي، مع الإبقاء على دعم المنازل، سيكون له تأثير مباشر على زيادة تكاليف الإنتاج غير المباشرة، باعتبار أن الطاقة تمثل عنصرًا أساسيًا في تشغيل المصانع والأنشطة الاقتصادية المختلفة”.
وأضاف في تصريحات خاصة لموقع «القصة»، أن “هذا التطور سينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات، حيث ستلجأ الشركات إلى تحميل جزء من هذه التكاليف على المستهلك النهائي، ما يؤدي إلى موجة ارتفاعات سعرية جديدة”.
توقعات بارتفاع التضخم
وأوضح أن هذه الزيادات قد تدفع معدلات التضخم إلى الارتفاع بين 1% و1.5%، ما قد يرفع التضخم السنوي إلى مستويات تتراوح بين 14.5% و15%، وهو ما قد يضغط على البنك المركزي لاتخاذ قرارات تتعلق بأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
شفافية التسعير ضرورة
وشدد على ضرورة وضوح تكلفة إنتاج الكهرباء بعيدًا عن أي أعباء غير مرتبطة بالإنتاج، بما يضمن عدالة أكبر في التسعير بين القطاعات المختلفة.
التوازن بين الإصلاح والحماية الاجتماعية
وأكد أن تخفيف الدعم قد يكون خطوة سريعة لتقليل عجز الموازنة، لكنه يفرض تحديًا كبيرًا على المواطن، ما يتطلب تحقيق توازن دقيق بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية.
تنويع مصادر الدخل
واختتم بالتأكيد على أهمية تنويع مصادر دخل الدولة، وتحسين إدارة الأصول، وزيادة كفاءة الإنفاق، بدلًا من الاعتماد المفرط على الضرائب ورفع الأسعار، بما يدعم النمو ويخفف الضغط عن المواطنين.
خلاصة المشهد
يعكس الجدل حول أسعار الكهرباء في العدادات الكودية حالة أوسع من النقاش الدائر حول كلفة الإصلاح الاقتصادي في مصر، وحدود قدرة المواطن على استيعاب موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالدخل ومستويات المعيشة