في وقت تتصاعد فيه لغة البوارج والحصار في مياه الخليج، يبدو أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل تحول إلى ساحة لاختبار حدود القوة بين القطبين الأعظم، الولايات المتحدة والصين، فبينما تحاول واشنطن إحكام قبضتها لضمان هيمنتها، تمارس بكين صعوداً حذراً يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة الدولية انطلاقاً من منابع الطاقة وممرات التجارة.
وفي هذا السياق، يحلل الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، أبعاد هذا الاشتباك المعقد، مؤكداً أن المشهد يتجاوز التوترات الإقليمية ليصل إلى صراع على صدارة النظام الدولي.
حدود الصدام.. سقف لا يرغب الطرفان في تجاوزه
يرى تركي أن الصدام بين واشنطن وبكين حول الملف الإيراني له “سقف” محدد تتحكم فيه عدة محددات، حيث أوضح أن “المحدد الاقتصادي” يلعب دور المكابح فالصين هي المستورد الأكبر لنفط إيران وتستخدم اتفاقية الـ 25 عاماً كأداة لنفوذها، بينما تخشى واشنطن فرض عقوبات شاملة على البنوك الصينية الكبرى خوفاً من ارتدادات كارثية على الاقتصاد العالمي.
وعلى الصعيد العسكري، استبعد د. تركي دخول الصين في مواجهة مباشرة من أجل طهران، مستدركاً بأن بكين تكتفي بتقديم “الدعم التقني و الاستخباراتي” والتدريبات المشتركة لرفع تكلفة أي تحرك أمريكي أما سياسياً، فقد أشار إلى أن بكين تستخدم ورقة إيران للمساومة كلما ضغطت واشنطن في ملفات تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
مواجهة غير معلنة في مياه الخليج
وحول احتمالية تحول الأزمة إلى مواجهة في الخليج، أكد استاذ العلوم السياسية أن الاحتمالية واردة لكنها لن تأخذ شكل “حرب وكالة” تقليدية، بل ستكون مواجهة غير معلنة لاختبار القوة، وكشف أن الصين بدأت تضيق ذرعاً بحصار الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، وتجلى ذلك في استخدامها حق النقض الفيتو ضد مشاريع قوانين أمريكية في مجلس الأمن.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن الصين أدركت ضرورة تغيير الاعتماد على الأسطول الأمريكي لحماية الممرات، متوقعاً زيادة التواجد البحري الصيني تحت مسميات “مكافحة القرصنة”، مما قد يخلق احتكاكاً مباشراً مع البحرية الأمريكية مستقبلاً.
سلاح التكنولوجيا و المأزق الأمريكي
في ملف القدرات العسكرية، شدد الدكتور إسماعيل على “المحدد التكنولوجي”، حيث تزود الصين إيران بأنظمة دفاع جوي وطائرات مسيرة وتقنيات تشويش متطورة، مما يجعل أي تحرك أمريكي “مكلفاً للغاية دون أن تطلق الصين رصاصة واحدة”.
وعن كيفية تعامل واشنطن مع هذا التمدد، أوضح الدكتور تركي أن الولايات المتحدة تجد نفسها في مأزق بسبب تعدد الجبهات ورفض الحلفاء الأوروبيين الانخراط في المواجهة، لذا أكد أن استراتيجية واشنطن تقوم حالياً على:
- بناء هيكل أمني إقليمي يضم حلفاء عرب مع إسرائيل لمواجهة النفوذ المشترك.
- استخدام “سلاح الدولار” لملاحقة الكيانات الصينية المتوسطة والصغيرة.
- محاولة إغراء حلفاء الصين بتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الصينية مقابل شراكات أمنية.
الخليج.. مهد النظام الدولي الجديد
وفي رؤية استشرافية، أكد تركي أننا أمام إرهاصات “نظام دولي متعدد الأقطاب” يولد من رحم أزمات الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن نجاح الصين في الوساطة بين السعودية وإيران كان “صفعة جيوسياسية لواشنطن”.
وذهب تركي إلى أن الصراع الحقيقي اليوم هو على طرق التجارة، محذراً من أنه إذا نجحت الصين في تأمين تدفق النفط بعيداً عن الهيمنة الدولارية، فسنكون أمام “انهيار فعلي لمنظومة البترودولار” وبداية خفوت نجم الإمبراطورية الأمريكية.
واختتم الدكتور إسماعيل تركي تحليله بالقول: “بينما تحاول واشنطن إدارة منحنى الهبوط، تمارس الصين صعوداً حذراً عملاً بمثلها الشهير “ابنِ نفسك وانتظر وقتك”، الصدام المباشر مستبعد حالياً بسبب الترابط الاقتصادي، لكن الحرب الباردة في مياه الخليج ستكون المحرك الأساسي لإعادة رسم خريطة القوى العالمية في العقد القادم”.