في الوقت الذي تشهد فيه مصر تحولاتٍ سياسية واقتصادية كبيرة ،يتساءل البعض عن دور الأحزاب السياسية باعتبارها العمود الفقري لحياة سياسية طبيعة، فهي المعبرة عن مصالح الناس وتقدم الرؤى المختلفة لحل مشاكل المجتمع، كما تساعد على خلق مساحات للتنافس على السلطة بشكل سلمي من خلال الانتخابات ،لكن بمرور الوقت تلاشت أدوار الأحزاب السياسية في مصر، وبدأ جدل واسع حول مدى فاعلية الأحزاب الموجودة حاليا ،وهل هي قادرة على القيام بدورها في ظل المشهد السياسي الحالي ؟
وعلى الرغم من عدد الأحزاب السياسية الكبير في مصر وسياستها المتنوعة لكن يرى البعض أن التأثير الحقيقي لها بات محدودا سواء كانت أحزاب موالية أو معارضة، في المقابل يرى رأي آخر أن الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة هي المؤثر الرئيسي على أداء الأحزاب والتي تحد من حركتها.
“القصة” فتح النقاش حول دور وتأثير الأحزاب، فضلًا عن شكل الحياة السياسية في مصر، وحدود المشاركة، ودور الشباب ،وكيف يمكن للأحزاب أن تعود لتلعب دورا حقيقيا ومؤثرا.
محمد أبو الديار المحامي والعضو المؤسس في حزب تيار الأمل قال إن دور الأحزاب السياسية في المرحلة الحالية شبه غائب ،سواء كانت أحزاب موالية أو أحزاب معارضة، كما لم يعد هناك دورا للنقابات المهنية كالسابق. وأوضح أن الأحزاب السياسية دورها الأساسي هو العمل بالسياسة والوصول للحكم سواء من خلال الانتخابات البرلمانية او المحلية أو الرئاسية لكن الواقع حاليا اختلف تماما عن ذلك.

وأشار أبو الديار إلى أن الأحزاب اليوم أصبحت تقسم نفسها شكليا، لكنها في النهاية تصب في خانة الموالاة، وتقبل ما يوزع عليها من السلطة الحاكمة، وأن العملية الانتخابية “تدار بشكل سئ جدا” وفقًا لتعبيره مما يؤثر مباشرة في غياب دور الأحزاب.
وأكد أبو الديار أن الأحزاب أيضًا يقع عليها جزء من المسؤولية ،وأنها لابد من أن تفعل دورها أكثر من خلال العمل في الشارع وتنظيم الفعاليات والمؤتمرات وتكوين اللجان لكسب قاعدة جماهيرية، وعبر عن الوضع الحالي بانه “أسوء من الأحزاب الكرتونية” التى كانت متواجدة في أواخر عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وقال إنها أصبحت أقرب لـ “سكرتارية للسلطة”.
وفيما يتعلق بالقيود قال أبو الديار، إنها قيود أمنية في المقام الأول، وأن من يشارك في فاعلية يمكن إلقاء القبض عليه وتوجيه الاتهامات له.
وأشار إلى حالات مثل أحمد دومة الذي ألفي القبض عليه منذ عدة أيام بسبب رأيه، وسيد مشاغب الذي القي القبض عليه بعد عدة ساعات فقط من الإفراج عنه، مما خلق حالة من الخوف لدى الشباب وجعلهم يفكرون طويلا قبل الإنخراط في العمل السياسي.
وأضاف أن العمل السياسي أصبح محدود المشاركة حتى في الدول الديمقراطية، لكن في وضعنا الحالي أصبح أيضا “محفوفًا بالمخاطر” ما بين الاتهام أو الحبس وذلك يؤثر بالتأكيد على على فرص انضمام الشباب للأحزاب.
ودعا أبو الديار إلى فتح المجال السياسي وتخفيف القبضة الأمنية، لأن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي لانسداد سياسي يليه “انفجار” في المستقبل وهو سيناريو لا يريده الغالبية من الشعب المصري، خاصة بعد تجربة ثورة يناير التى لم تحقق النتائج المرجوة.
وأكد محمد أبو الديار الضغوط الاقتصادية الكبيرة التى سببتها السياسات الحالية زادت من معاناة المواطنين، ومع غلق المجال السياسي، أصبح المواطن يبحث عن مساحة للتعبير فيها عن آرائه أو الأختيار بين بدائل حقيقية محذرًا من أن استمرار الوضع بهذا الشكل قد يؤدي إلى انسداد كامل.
وأكد على ضرورة التمسك بالمسار السلمي للتغيير من خلال الانتخابات، معتبرًا أن الحل هو “ستارة وصندوق ” ولابد من تمكين المواطنين لاختيار ممثليهم بحرية والسماح بالترشح لكل من يريد.
فيما قال الباحث والأكاديمي الدكتور كمال مغيث لـ “القصة” إن الأحزاب السياسية لم تعد موجودة في المشهد الحالي، ،موضحا أن الحزب في الأساس هو مجموعة من المواطنين المهتمين بالشأن العام، ويرون أولويات ومشاكل الوطن بزاوية ما، ويطرحون حلولا مختلفة ،مما يجعل لكل حزب أيديولوجية مثل الأحزاب الليبرالية أو الاشتراكية وغيرهم .
وأضاف أن مصر مرت بـ ثلاث مراحل أساسية في تاريخ الأحزاب: الأولى جاءت بعد ثورة 1919 وظهرت فيها أحزاب مثل الوفد والأحرار والدستوريين والشعب والكتلة الوفدية والاتحاد ،والمرحلة الثانية كانت في عهد ثورة يوليو والتى غاب فيها التواجد الحزبي وجاء بدلا منها التنظيمات السياسية. أما المرحلة الثالثة فكانت خلال فترة تولي أنور السادات الحكم ،والتى بدأت في 1976 حينما أنشأ أحزاب اليمين واليسار والوسط وبعدها ظهرت أحزاب اخرى مثل الحزب الناصري.
وأكمل مغيث أنه بعد ثورة يناير، أصبحت الأحزاب نوعان: أحزاب قديمة موجودة منذ عهد السادات، وأحزاب أخرى تأسست بعد الثورة مثل الدستور والمصري الديمقراطي إضافة إلى أحزاب أخرى “مصنوعة” حسب وصفه من قبل السلطة، وهي أحزاب الموالاة والتى لها دور شكلي لاستكمال “الديكور الديمقراطي” أمام الخارج، بينما دورها الحقيقي في الداخل هو دعم قرارات وقوانين الحكومة.
ويرى مغيث أن هذه الأحزاب توافق على القوانين والإجراءات الحكومية، وتعطيل الأدوات البرلمانية مثل طلبات الإحاطة والأسئلة والاستجوابات، وكأن ممثليها موظفين لدي الحكومة.
وعن التعددية الحزبية قال مغيث، إن التنوع السياسي موجود بالفعل لكن “ظروف الحصار السياسي” تمنع الأحزاب من ممارسة دورها الحقيقي مثل تنظيم المظاهرات أو المؤتمرات الجماهيرية أو التواصل بحرية مع المواطنين مما جعل الحياة عقيمة وغير فعالة.
وأكد مغيث أن عزوف الشباب عن المشاركة في الأحزاب السياسية يرجع إلى كون هذه الأحزاب “مش حقيقية ” أو “مصنوعة” وحتى الأحزاب القديمة مثل التجمع في ظل الظروف الحالية تضطر لقبول ما يقدم لها وفقا لتعبيره ،مثل عدد محدود من المقاعد داخل البرلمان.
وطالب دكتور كمال مغيث بضرورة رفع يد السلطة عن الحياة السياسية، وحاجة الدولة إلى لجنة دستورية وقانونية وطنية تضع قانونا لتنظيم الحياة السياسية، والسماح بكافة الأنشطة والأفكار، ،مع وجود شرطين هما : ألا يدعو ذلك لعنصرية أو تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللون، وألا تدعو للكراهية أو العنف.
فيما عدا ذلك يكون مسموحا بكافة أشكال العمل والمشاركة السياسية.