منذ ظهور الإنترنت وما صاحبه من تطبيقات لا تُحصى عددًا، بدأ العالم المعاصر يشهد ثورة من التحولات العميقة في أبنية المجتمعات الإنسانية، وبخاصة تلك التي لم تكن لديها ما يؤهلها لاستقبال هذه الثورة الرقمية الجامحة، ومنها الفضاءات الاجتماعية لدول العالم النامي. لقد كانت الشبكة العنكبوتية أخطر أدوات العولمة في نشر ثقافتها التي تم تصنيع جانب عريض منها عن قصد لتلك الدول التي تقع خارج سباق التقدم، وقد حملت هذه الثقافة محتويات رقمية في كل مجالات الحياة تقريبًا من فن وسياسة واقتصاد وتربية وغير ذلك، وإن هذه المحتويات تم بثها بقوة الصورة الجاذبة والمثيرة، علاوة على ظهور الذكاء الاصطناعي الذي زاد الطين بلة.
ونحن في هذا الصدد لسنا ضد التقدم التقني على أية حال، ولكننا فقط ضد بعض تطبيقاته من ناحية، وغياب الرقابة على متلقينا الصغار الذين يتعرضون لمشاهدة مواقع التواصل الاجتماعي والتفاعل معها دون ضبط أو ربط. فإذا نظرت حولك ستجد كل صغارنا، إلا النادر منهم، يحملون الهواتف المحمولة الملغومة بسيل متدفق من المحتويات الرقمية التافهة والسطحية والمدمرة، وإن أولئك الصغار يتفاعلون معها دون تمييز على مدى ساعات طويلة من اليوم، بينما الأسر لاهية وذاهلة عنهم، ظنًا منها أن تلك وسيلة تكفهم عن الشغب والضوضاء، وفي ذلك راحة لأولي الأمر، ولكن الواقع أنهم يرتكبون جريمة نكراء في حق أبنائهم الذين يصنعون لأنفسهم عوالم افتراضية معزولة، ولا يفيق المجتمع إلا عندما تقع كارثة من الكوارث، أبرزها القتل وسفك الدماء، ونجد أنفسنا أمام طفل قاتل لا يدري سبب جريمته.
ورغم ما مر به الفضاء الاجتماعي المصري من حوادث مروعة، إلا أنه لا يفيق إلا لأيام قليلة، وربما ساعات، ثم يعود أولو الأمر إلى نوم عميق، والجرائم تترى جريمة وراء جريمة. فلم يلاحظوا التدني الذهني والتأخر الدراسي والاضطراب السلوكي والنفسي والتشتت العقلي والقلق وضعف الذاكرة عند أبنائهم؟ إنهم لا يفطنون إلى إصابة أبنائهم بما يسمى بـ(تعفن الدماغ)، وهو تعبير مجازي لا يعني تعفنًا حقيقيًا لخلايا المخ، وإنما كما وصفه قاموس إكسفورد: “أنه تدهور مفترض في الحالة العقلية أو الفكرية للفرد، خاصة نتيجة الاستهلاك المفرط للمحتوى التافه أو غير المحفز عبر الإنترنت”.
وغالبًا يقع هذا الخلل العقلي لمن يتفاعل مع المحتوى الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من ساعتين فصاعدًا كل يوم، ولا شك أن هذا التعفن الدماغي يزداد يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام، وذلك يعود إلى تدفق المحتوى الرقمي الذي يحمل رسائل تافهة إلى المتلقي، تصيبه مع مرور الوقت بحالة من التبلد الذهني نتيجة الاستثارة المستمرة لوظائف الدماغ المعرفية العليا دون فائدة حقيقية مرجوة، ولكنها استثارات قادرة على إحداث نوع قاسٍ من التشتت الدماغي، الذي يقضي قضاءً سريعًا على الطاقات العقلية لدى الصغار وكذلك الكبار، ولكن الأمر مع الصغار يشكل الخطر الداهم الذي سيصدم المجتمع بنتائجه، إن لم يكن قد بدأ يجني ثماره بشكل ملموس أو غير ملموس.
عند أولي الأمر الذاهلين عن صغارهم الذين بدت عليهم مظاهر التفكير السطحي والجمود الذهني والبرود العاطفي والانعزال الاجتماعي والميل إلى الحدة والتطرف السلوكي وضعف الانتباه في الصف المدرسي والجامعي، ووهن التركيز في المحصول الدراسي وغير الدراسي. لقد باتت ذاكرة معظم صغارنا تعاني معاناة ملحوظة من التشوش والهشاشة وصعوبة الاسترجاع والعجز عن الربط والمقارنة والاستقراء والاستنتاج، والذهول والضعف عند حل المشكلات، وكل ذلك يكون في محصلته صعوبات معقدة في التعلم.
فإذا قارنت بين صغارنا اليوم وصغارنا ما قبل الإنترنت، ستجد فوارق جوهرية صادمة، يكاد لا يشعر بها إلا الملاحظ المدقق. فما كان ينجزه الصغير ما قبل الإنترنت في دقائق معدودة، قد لا يستطيع صغير ما بعد النت إنجازه في ساعات، وغير ذلك من المقارنات المتعددة التي تكشف لنا عن واقع مأساوي تغيب فيه البحوث والرؤى والعلاج.
لقد بتنا في غيبوبة اجتماعية تستحق الرثاء. إننا في مجتمع يعاني من نقص حاد في ثقافة التربية والتوجيه الاجتماعي، مع غياب دور مؤسسات التعليم عن هذه القضايا المصيرية التي تهدد مستقبل الوطن. فربما لا تدرك الأسرة المصرية حقيقة أن الدماغ البشري، مهما كانت قدراته ومهما بلغ من عمليات عقلية، فإنه في الوقت نفسه لا يمكن له ملاحقة وإدراك هذا الطوفان العَرِم من توافه المحتويات الرقمية التي تصنع بامتياز أدمغة مفككة ومفتتة، تعجز عن التحصيل الدراسي والبحث العلمي والتفكير المنطقي وتربية الذوق الفني الراقي والانخراط بشكل قويم في الفضاء الأسري والاجتماعي العام.
ومن هنا يجب أن ينتبه المجتمع إلى هذا الخطر الذي سيقضي على الأخضر واليابس، ويحول الأجيال إلى مجرد أرقام في البطاقات القومية، وإلى غثاء يسهل الدفع به إلى كل مهاوي الحضيض. إننا يجب علينا أن نتعامل مع أولئك الصغار المدمنين للمحتويات الرقمية بوصفهم مرضى يحتاجون إلى العلاج السريع وإعادة بنائهم بتوجيههم نحو تلقي المعرفة الجادة من مظانها الأصلية، لتكوين عقلية طفل قادر على العيش في واقع أليم من الإدمان الرقمي.
وعلى الأسرة المصرية التدخل في تنظيم العلاقة بين أطفالها والتعرض للإنترنت، بحيث تضع مدى زمنيًا لا يزيد عن ثلاثين دقيقة في اليوم، مع توجيههم إلى مصادر معرفية ورقية بالاطلاع على الأدب القصصي والشعري والمقالات الجادة لكبار الكتاب، وتدريبهم على الاختيار الواعي المدقق لأي محتوى رقمي، وأن نبين لهم مخاطر الإطالة أمام شاشات النت، مما يسبب آثارًا سلبية على المكون العضلي، والتسبب في أمراض السمنة المفرطة والخمول والكسل والاضطراب النفسي والعقلي، وفقدانهم القدرة على التمييز بين العوالم الافتراضية المصنوعة والواقع الاجتماعي الحي.