يتسلّل إليَّ اليأسُ بين الحين والحين من الكتابة، خاصة بعدما صارتْ مهنة بلا عائد، وتسوَّر محرابها كلُّ من «هبَّ ودبَّ»، فأُتخمت المكتباتُ بعناوين كثيرة، اختلط فيها الحابلُ بالنابل، ونافس الغثُّ السمين، وضحية ذلك هو القارئ المسكين.
من طريف ما قرأتُ أنَّه قديما، خرج (خِراشُ) للصيد يوما، فكثرت أمامَه الظّباء، فاحتار أشدَّ الحيرة، إلى أيِّها يصوِّب سهامه، وكلُّها صيودٌ ثمينة، فقال مثله المشهور: « تكاثرت الظّباءُ على خراش، فلا يدري خراش ما يصيد »، إذ كانت الكثرةُ مهيبة وثمينة معا، أمَّا اليوم فنتاجُ المكتبات، صار كحال إبلٍ مائة، لا تجد فيها راحلة، فحُمَّى الكتابة أصابت الكل، وتملكتهم لوثةُ الإبداع، فتطلع مَنْ لا يُفرِّق بين «الألف وكوز الذرة» لأن يُنادَى بالمفكّر والكاتب والأديب، ولا عزاء للقرَّاء.
إنَّ كثيرا من العناوين الفارغة التافهة، التي تنوء بحملها أرففُ المكتبات، تقول للغيورين على تلك المهنة: «موتوا بغيظكم !».
طُبعتْ مؤخرا عناوينُ كثيرة وفجّة، كُتبت بمداد أقلام صدئة، لم يُرد أصحابُها إلا الصيد في الماء العكر، واستغلوا نفوذ المال في غرس أنفسهم «طوعا أو كرها » في دنيا الفكر والإبداع، وتلك طامة الطوام.
طامة، لأنَّها عناوينُ بلا محتوَى، يرنو أصحابُها بناظريهم إلى (الشو) على حساب المضمون والمحتوى، أو يُخدِّمون على فكرة مغلوطة، أو يشوّهون شخصا أو فئاما من الناس لغرض دنئ ولهم من وراء ذلك مآربُ أخرى.
إنَّ الكتابة ـ يا سادة ـ أمانةُ، سيُسأل عنها العبدُ يوم القيامة؛ لأنَّ الكلمة باقية، حتى وإن رحل صاحبها، ولله درُّ الشافعي:
وما من كاتبٍ إلا سيفنى / ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء / يسرُّك في القيامة أن تـراه
لم أقصد من مقالي أبدا كاتبا بعينه؛ حتى لا يضرب القارئ «أخماسا في أسداس»، أو يخمِّن ويطرح أسماء بعينها، ولكنّي أناقِش قضية عامة، وأزمة، شارك في افتعالها الكتَّابُ (المزيّفون)، ودور النشر اللاهثة وراء الربح، في ظلِّ صمتٍ مُريب من المسئولين عن الثقافة، واتحاد الكتاب. بَيْدَ أنَّه يجب عليهما وضع قواعد صارمة، تضبط صناعة النشر، وتُغلِق الباب على كلِّ سمج لزج، يسعى ـ بليل ونهار ـ ليشتري لقب كاتب ومفكر بـ(فلوسه)، وعلى المعترِض أن يضرب دماغه في الحائط.
أتردَّد كثيرا على زملاء بالأقسام الثقافية بالأهرام، وغيرها من بينهم ـ عمنا الكبير أسامة الرحيمي ـ أروع محرر ثقافي التقيتُه، فأجد على أرفف مكتبته عناوين لا حصر لها، وقلّما أظفر بعنوان، يسمن أو يُغني من جوع، فأعضُّ بأسناني على شفتي السفلى غيظا، سائلا الله أن يخلّصنا مما نحن فيه من غم وهم!
وأخيرا أقول: رغم قلة الكتاب المطبوع بالأمس، إلا أنَّه كان هناك مثقفون حقيقيون؛ لأنَّه كان هناك إخلاصٌ للفن، واحترامٌ لعقلية القارئ. أمَّا اليوم فالكلُّ (يهبد)، وعلى المتضرر اللجوء للقضاء أو الموت كمدا، وهو يستحضر قول دعبل الخزاعي: إنّي لأفتحُ عيني حين أفتحها / على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا !