كانت العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي هي الأهم في نشر الأيقونات المعمارية الشهيرة حتى يومنا هذا، تلك الأيقونات التي أنشئت تأصيلاً لهُوية وسط البلد ومكانتها التي صارت عليها متمركزة بين أحياء القاهرة التاريخية وامتدادات القاهرة جنوباً وشمالاً والامتداد العمراني جهة الجيزة عبر كوبري قصر النيل، وما يجب تأكيده هنا أن التأصيل لا يأتي بقرار إداري، بل هو نوع من التأكيد الاجتماعي لهُوية أعلنت عن نفسها، واستدعت وسائل التمكين الوظيفي والتعبير المعماري في المكان، خاصة أن لبنته الأولى وضعت لهذا الغرض، وتحولاته التاريخية أفردت فرصة سانحة للقطاع الخاص أن يتولى بتطوره الاجتماعي الاقتصادي تشكيل النسيج العمراني، ذلك النسيج الذي بدأ بشوارع رئيسية تعد على أصابع اليد الواحدة، ثم انطلق بتضافر بين تشكيل النسيج معبراً عن نمط عمراني ورسم الطراز معبراً عن طابع معماري، ليبدع تلك المنظومة العمرانية المعمارية بوسط البلد.
الذاكرة الشعبية انتقائية في الواقع، تحتفظ بتلك الأيقونات التي دارت حولها قصص أو شخصيات هامة، فنجد عمارات مثل الإيموبيليا ويعقوبيان احتلت ذروة الشهرة في حين أنشئت عمارات كثيرة بلا اسم تسويقي مميز، يعقوبيان عميد الجالية الأرمنية بنى عمارته بشارع سليمان باشا عام 1934م صممها جارو بليان الأرمني سكنية تجارية، عمارة الإيموبيليا التي أنشأها عبود باشا بين عامي 38 و1940م، طرح تصميمها في مسابقة عالمية فاز بها المعماريان ماكس أدرعي وجاستين روسو الذين تخليا عن الزخارف التقليدية واتجها إلى طراز حديث يحقق المعايير الاقتصادية ويعبر عن الحداثة المعمارية، وقد كانت الإيموبيليا أكبر عمارات وقتها إذ بلغ ارتفاعها 70 متر ببرجين أحدهما 11 دور والآخر 13 دور، ومن الأبنية غير السكنية كانت سينما مترو التي أنشئت عام 1938م بشارع سليمان باشا تملكها شركة مترو جولدوين ماير الأمريكية وصممها المعماري الأمريكي توماس لامب.
وقد تنوعت تيارات معمارية متكاملة خلال الثلاثينيات مثل عمارات شارع شريف، ومبانٍ مصرفية رسّخت الدور المؤسسي لوسط البلد، وأسهم هذا التنوع في تثبيت صورته بوصفه قلب المدينة الحديثة، ويجدر الإشارة إلى أن ظاهرة تسمية العمارات لم تكن عامة، بل انتقائية ومحصورة في مشروعات استثنائية مثل يعقوبيان والإيموبيليا أو سينما مترو، أما بقية العمارات الأيقونية في تلك الفترة فحافظت على حضور معماري قوي دون أن تُرسَّخ أسماؤها في الذاكرة العامة، وهو ما يفسّر ندرة الأمثلة المُسمّاة مقارنة بوفرة العمارة ذاتها، ولكن اللافت هو تطور الطراز المعماري منذ بداية القرن 20 حتى الحرب العالمية الأولى ثم ما بين الحربين الأولى والثانية، ثم فترة الحرب التي انتهت عام 1945م، ولنبدأ بمتابعة الطراز المعماري علماً بأن الطراز هو ما تراه العين أما الطابع فيضع العمارة داخل سياقها الاجتماعي بما يعبر عن ثقافة ومناخ استثماري وأهداف وظيفية، ويأتي الطراز كتعبير بصري عن الطابع.
يمكن أن يتغير الطراز ويظل الطابع معبر عن الهُوية، مثلاً القبة كعنصر معماري يضاف للمبنى للتدليل على أهميته فتجد القبة على المسجد ومجلس النواب وجامعة القاهرة مثلاً، كذلك تجد القبة في ثقافات عدة تدل على أهمية المبنى وعندما يختلط هذا العنصر في المسجد مثلاً مع عناصر ثقافية ينتج طرازاً يختلف من بلد لآخر، فتجد القبة في مصر تختلف عنها في أندونيسيا أو روسيا أو أسبانيا أو أفريقيا، وبالعودة إلى وسط البلد فهل تغيَّر الطراز وبقي الطابع المعماري مع تغير الأنظمة؟ أم تغير كل من الطابع والطراز معاً؟، الطابع يرتبط بالبنية الاجتماعية الوظيفية للمكان، تلك البنية التي لم تتغير منذ أواخر القرن 19 بل كانت تتشكل وتتأكد وتتجذر داخل المكان وكلما كان بناؤها قوياً ومعبراً عن هُوية تُبرز ملامحها فإنها تتشكل ببطء وتتغير وتتأثر ببطء شديدين رغم التغير السريع أو الأسرع للنظم الحاكمة، وقد تؤثر تلك الأنظمة وبعض الظروف العامة في انتاج طراز ما دون أن توجهه.
شهد الطراز المعماري في وسط البلد تحوّلات متدرجة من الكلاسيكية في نهايات القرن 19 إلى عمارة أكثر تبسيطاً مثل النيوكلاسيك ثم حداثة، استجابة لتغيّر الأذواق والتقنيات ومناخ الاستثمار، دون أن يمسّ ذلك الطابع الحضري للمكان، فقد ظل وسط البلد يؤدي وظيفته كمركز مدينة، بينما تكفّل الطراز بترجمة هذا الطابع بلغات متغيّرة تعكس روح كل مرحلة وتعبر عن تغير أدوات التعبير لا عن تغير في الطابع، فتجد مباني وسط البلد في بدايات القرن العشرين تتخلى تدريجياً عن الطراز الكلاسيكي بواجهات أقل زخرفة مع الاحتفاظ بالكرانيش والتماثل ثم فيما بعد الحرب العالمية الأولى تبرز أهمية الكتلة والارتفاع في مقابل اختزال الزخرفة تأثراً بالمناخ الاستثماري العام، ثم تلمّس الطراز طريقه إلى الحداثة خلال الثلاثينيات بطراز الآرت ديكو الذي انتشر بين الحربين العالميتين، وصارت الخطوط أكثر استقامة والألوان أكثر جرأة والمواد ما بين الفخامة والأناقة، وتعد عمارة الإيموبيليا مثالاً لذلك كما نجد عمارة عدس بشارع الألفي التي أنشئت عام 1935م مثالاً ليس له نفس الشهرة.
لقد كانت تلك الفترة ما بين الحربين العالميتين هي ذروة تألق القاهرة بتراثها المعماري ووسط البلد الحديث حتى صارت باريس الشرق ليست لتقليدها باريس، بل لأنها صارت قبلة معماريي أوروبا، فقد شمل الدمار العمراني أثناء الحرب العالمية الأولى فرنسا وبلجيكا وشمال إيطاليا ووسط أوروبا، وأصبح المعماري الأوروبي بلا سوق، وأتت الحرب العالمية الثانية على بقية أوروبا ونزح معظم معماريو وفنانو وعلماء أوروبا إلى بلدان أخرى، وكانت القاهرة ملاذاً وواحة استقرار في ظل دستور جديد وحكومة واعدة واستثمار متنامي، فاستقطبت مبدعي أوروبا في العمارة والفنون، لذلك فإن وسط البلد ليست مشروعاً عمرانياً بدأ وتم بناؤه، بل كيان حي تأصلت هُويته بطابع نسجه المصريون وطراز تضافرت في إبداعه ظروف محلية ودولية مما يعد معه وسط البلد تراثاً عالمياً احتوى وعبّر عن حقبة هامة في تاريخ العمران والعمارة المحلية والأوروبية.
دكتور وائل زكي
استشاري التخطيط العمراني