رحل الطبيب النابغة ضياء العوضي – بوصف كثير من زملاء الدراسة والمهنة – مرتين، الأولى عندما جُرِّد من مهنته التي أفنى فيها نصف عمره، ومات ثانية عندما توفي غريبًا داخل غرفته في ظروف غامضة، لا يبددها سوى تقرير الوفاة الرسمي الذي قيل إنه نتيجة سكتة قلبية، ولا بد لنا أن نصدقها حتى إشعار آخر. أما الوفاة الثالثة، فهي بمثابة جريمة قتل، حيث يُنهش جسده قبل أن يُوارى التراب.
لم أكن من المتابعين له، ولا أعرف شيئًا عن اختراعه الغريب “نظام الطيبات”، حتى بعد قرار طرده من نقابة الأطباء. كنت أعتبره حالة جدلية لا تختلف عن غيره ممن يخرجون عن نصوص العلوم الطبيعية المتعارف عليها؛ فالناس لا يزالون يتطببون بالسحر والأحجبة والأعمال السفلية، وبعضهم يتداوى بالأعشاب وغيرها، سواء كانت هذه الأنظمة صالحة أم فاسدة.
رحل العوضي طريدًا غريبًا وبطريقة غرائبية، مهما تم تبريرها وتمريرها، لكن الأغرب هو التمثيل بسيرته من قِبل البعض حتى قبل أن يُوارى جسده التراب.
حتى لو كان هذا التوحش في نهش سيرته نابعًا من تحذير الناس من التعاطي مع طريقته أو الترويج لها، فغالبهم يعرف تمام المعرفة أن نظامه، طبيًا كان أو غير طبي، سوف يُوأد مهما جرى الترويج له عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليس لأنه غريب، ولكن لأنه لن يجد من يروج له ويدافع عنه ويؤطر له؛ فهو نتاج عمل شخصي، فلا فريق عمل يواصل مسيرته، ولا مؤسسة ترعى ادعاءاته.
الذين يقولون إن العوضي” رحمه الله”، مثل الدكتور محمد فوزي السودة، مريض نفسي، وقد ظلمه أهله حين أنكروا مرضه ولم يسعوا إلى علاجه لضمان استمرار استفادتهم المالية من هذيانه، ينسون أن المريض النفسي أصلًا غير مقتنع بأنه مريض، ويحتاج إلى شخص يحبه ويثق فيه لإقناعه بمرضه واحتياجه إلى المساعدة الطبية — إن اقتنع أصلًا.
كما أن الأطباء النفسيين لا يمكنهم علاج مريض إلا إذا سعى هو لطلب المساعدة، وذلك لضمان النجاح في العلاج. عن الدكتور ضياء العوضي أتحدث.. رحمه الله.
أين كانت نقابته ومؤسسته التي يعمل بها؟ ولماذا لم تخرج شهادات رسمية آنذاك تُفيد بأنه مريض ويجب علاجه؟
الخلاصة: كان العوضي جانيًا وضحية في الوقت نفسه، وإن شئت فقل إنه شهيد فكرته، وضحية لعشرات الأقلام التي تلوك سيرته، وتستبيح دمه، وتأكل لحمه ميتًا.
حزن الختام: ورا كل ضحكة دموع
لو الأمل مشروع
يبقى العمل منقوع
في تراب وخل وزيت
يعني الحقيقة تضيع
تتشرعن المشاريع
إياك تذيع يا وديع
غير وإحنا في التوابيت