في لحظة يبدو فيها كل شيء ثابتًا على السطح، تتحرك خلف الكواليس حسابات أكثر تعقيدًا مما يظهر في التصريحات أو العناوين، لا انسحاب واضح، ولا تقدم صريح، بل منطقة رمادية تتداخل فيها السياسة بالأمن، والضغط بالمناورة، والرسائل المعلنة بما يُقال في الخفاء، فهل تراجعت إيران أم تعيد توازن حساباتها.
إعادة التموضع بدلًا من التراجع
يقول الدكتور علاء السعيد، المتخصص في الشأن الإيراني، لـ”القصة”، إن السلوك الإيراني الحالي لا يمكن قراءته باعتباره انسحابًا تقليديًا، بل تحركًا محسوبًا خطوة إلى الخلف بهدف الحفاظ على القدرة على المناورة، فطهران لم تبقَ في موقعها السابق، لكنها أيضًا لم تفقد أدواتها بالكامل، بل تسعى لتجنب استنزاف إضافي قد تفرضه المواجهة المباشرة.
ضغوط متعددة تدفع نحو المرونة
ويضيف السعيد أن هذه التحولات تأتي تحت تأثير ضغوط اقتصادية وعسكرية متراكمة، كشفت عن تحديات داخلية في منظومة الردع، ومع ذلك، فإن إيران لا تتخلى عن أوراقها بسهولة، بل تعمل على إعادة توظيفها بما يتناسب مع المرحلة، وهو ما يعكس سلوكًا براغماتيًا أكثر منه استجابة اضطرارية.
ويكمل السعيد أن مضيق هرمز ظل أحد أهم أدوات الضغط الإيرانية، ليس بهدف استخدامه الفعلي بقدر ما هو وسيلة لفرض معادلة “الخسارة المشتركة”. كما أن التراجع النسبي عن التصعيد في هذا الملف لا يعني التخلي عنه، بل يعكس إدراكًا بأن تفعيله قد يفتح بابًا لتصعيد غير محسوب.
الملف النووي
ويؤكد السعيد أن الملف النووي يظل العقدة الأكثر تعقيدًا، حيث تحاول إيران الفصل بين “الجوهر” و”الشكل”، فهي قد تقبل بقيود مؤقتة أو رقابة موسعة، لكنها لن تقبل بتفكيك برنامجها بشكل كامل، لأن ذلك يمس جوهر توازنها الاستراتيجي في المنطقة.
ويرى السعيد أن ما يحدث لا يمكن وصفه بانتصار دبلوماسي كامل ولا استسلام، بل هو مرحلة انتقالية تعكس تحولًا في إدارة الصراع.
ويضيف أن السؤال الأهم يظل: إلى أي مدى تستطيع إيران الحفاظ على ما تبقى من أوراقها في ظل مساحة حركة تضيق تدريجيًا، بينما لا يزال الصراع مفتوحًا على احتمالات متعددة؟