لم تكن مجرد رحلة بحرية، بل كانت “مواجهة رمزية” كشفت مرة أخرى عن وجه النظام الدولي الذي تتساقط أقنعته عند شواطئ غزة، “أسطول الصمود” الذي انطلق محملاً بآمال كسر الحصار وإغاثة الجوعى، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع سلاح البحرية الإسرائيلي، في واقعة تعيد للأذهان مشهد “مافي مرمرة” الدامي، وتطرح تساؤلات قانونية وسياسية حول عربدة القوة فوق مياه القانون الدولي.
“قرصنة” خارج حدود القانون
يصف السفير رخا أحمد، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الإجراء الإسرائيلي بأنه جريمة ضد الإنسانية، ويؤكد السفير رخا لـ “القصة” أن “حملة الصمود” كانت تبحر في أعالي البحار، المنطقة الاقتصادية الخالصة وليس داخل المياه الإقليمية الإسرائيلية، مما يعني أن اعتراضها واحتجاز من عليها هو عملية “قرصنة” يخالف كافة المواثيق الدولية.
وأوضح السفير أن هذه السفن لا تمثل أي خطر عسكري، بل هي عملية إغاثة إنسانية موجهة لشعب يعاني من المجاعة، مشدداً على أن إسرائيل تصرفت كدولة “مارقة” لا تحترم قرارات الأمم المتحدة، وأضاف مستنكراً: “لقد رأينا مندوب إسرائيل يمزق ميثاق الأمم المتحدة على المنصة دون رادع، فكيف ننتظر من دولة كهذه أن تحترم حق الملاحة أو العمل الإنساني؟”.
أوهام “السيادة” وسوابق العنف
من جانبه، يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن ما حدث هو تكرار لسيناريو العنف الممنهج الذي تمارسه إسرائيل لترسيخ حصار غزة، ويشير فهمي في حديثه لـ “القصة” أن إسرائيل تدعي الدفاع عن سيادتها لتبرير الاستيلاء على السفن، رغم أن القانون الدولي يضمن حرية الملاحة في المناطق الاقتصادية، ولا يمنح الدولة حق الاعتراض إلا إذا دخلت السفن مياهها الإقليمية 12 ميلاً بحرياً وبشروط محددة.
ويكشف فهمي عن الأهداف الحقيقية لهذا الإجراء، مؤكداً أنه يرمي إلى منع تكرار محاولات كسر الحصار، عبر ممارسة تحقيقات رمزية مع النشطاء قبل ترحيلهم، لإرسال رسالة مفادها أن أي اقتراب من سواحل غزة سيقابل بالقوة، ويشبه فهمي هذه الواقعة بـ “أحداث سفينة مرمرة” الشهيرة، مؤكداً أن المنظمين يدركون التبعات، لكنهم يصرون على “تسجيل حضور رمزي” لرفض الواقع المفروض.
“المنطقة الرمادية” في القانون البحري
يضع السفير رخا النقاط على الحروف فيما يخص التكييف القانوني للمواقع البحرية، موضحاً أن السفن الإيرانية أو الأمريكية على سبيل المثال، قد تتعرض لبعضها كأطراف متحاربة، أما “حملة الصمود” فهي ليست طرفاً محارباً، وحتى لو دخلت السفن المياه الإقليمية لغزة، فهي -قانونياً- ليست مياها إقليمية إسرائيلية تمنح تل أبيب حق الاعتقال والسيطرة.
ويضيف السفير رخا أن المنطقة الاقتصادية التي تمتد لـ 200 ميل، تمنح الدولة حق استخراج الثروات فقط، لكنها تظل جزءًا من “أعالي البحار” فيما يخص الملاحة، مما يجعل السيطرة الإسرائيلية على الناشطين هناك خرقاً صارخاً لأبسط قواعد حقوق الإنسان والحق في الحياة.
“إعاقة الحياة” في مرمى النيران
يتفق المصدرين على أن “أسطول الصمود” وضع العالم أمام حقيقة “الدولة التي تعتبر نفسها فوق القانون”، و يرى السفير رخا أن إسرائيل تعمل ضد العمل الإنساني وتمنع المساعدة عن شعب يواجه الموت جوعاً، بينما يرى فهمي أن اعتراض القوافل التي بدأت بمبادرات مغربية و تونسية وأوروبية هو “عمل مضاد” تهدف منه إسرائيل إلى إجهاض أي تحرك دولي شعبي يسعى لكسر العزلة عن القطاع.
الحضور الرمزي في مواجهة القوة
إن اعتقال 170 ناشطاً ليس مجرد إجراء أمني، بل هو رسالة سياسية إسرائيلية للعالم بأن “الحصار باقي”، لكن، وكما يؤكد خبراء لـ”القصة”، فإن تكرار هذه القوافل يثبت أن “الشرعية الرمزية” للشعوب والنشطاء لا تزال قادرة على إحراج “الدولة المارقة”، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية تجاه حصار ترفضه نصوص القانون و تفرضه فوهات المدافع.