حين تُعلن المؤسسات عن الانتقال إلى التحول الرقمي، يُفترض أن تتقلص المسافة بين المواطن والخدمة، لكن، في ملف التأمينات والمعاشات، تبدو هذه المسافة وكأنها اتسعت أكثر مما كانت عليه.
في لحظة أعلنت فيها الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية انطلاقها نحو التحول الرقمي، يقف المواطن أمام شباك الخدمة، لا يسأل عن تفاصيل التكنولوجيا، ولا يعنيه توصيف الأعطال، بل ينتظر حقًا تأخر، أو إجراءً لم يكتمل.
البيان الصادر على لسان الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، نقلًا عن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، قدّم رواية واضحة مفادها: لا أعطال في المنظومة، وإنما بطء في بعض الخدمات، وأن صرف المعاشات يتم في موعده، وأن المنظومة تمر بمرحلة استقرار طبيعي بعد الإطلاق.
غير أن هذه الرواية، على تماسكها، لا تُحيط بكامل الصورة.
فالفارق بين “العطل” و”البطء” قد يبدو دقيقًا في لغة التقنية، لكنه في واقع المواطن يكاد يختفي. حين يتعطل إنجاز المصلحة، ويُطلب من المواطن العودة مرة بعد أخرى، وتتأخر الحقوق لأيام أو لأسابيع، يصبح التوصيف أقل أهمية من النتيجة.
صحيح أن المعاشات الأساسية تُصرف بانتظام، لكن الأزمة لا تقف عند هذا الحد؛ فثمة تسويات تتأخر، وملفات تظل قيد المراجعة دون سقف زمني واضح، فضلًا عن حالات استحقاق جديدة تنتظر دورها. هنا لا نتحدث عن خدمة يمكن تأجيلها، بل عن حقوق لا تحتمل الانتظار.
وعلى الرغم من الحديث عن مزايا التحول الرقمي، من إتاحة الخدمة من أي مكان، وإحكام الرقابة، وتقليل التلاعب، فإن الواقع يكشف عن صورة مغايرة، تتجلى في طوابير لم تختفِ، وحضور شخصي لا غنى عنه، واعتماد مستمر على الموظف، وشكاوى يومية لا تتوقف، وكأننا لم ننتقل من مرحلة إلى أخرى، بل نقلنا المرحلة نفسها إلى وسيط مختلف.
وفي حال التواصل مع الخط الساخن، يأتي الرد دبلوماسيًا غير كافٍ، ما يدفع كثيرًا من المواطنين إلى تسجيل شكاوى عبر الخط الساخن لطوارئ مجلس الوزراء. والأكثر دلالة — وربما الأخطر — أن المواطن لم يعد ينتظر الإجابة من القنوات الرسمية وحدها، بل لجأ، بشكل يومي، إلى وسائل التواصل الاجتماعي، يسأل ويستفسر ويبحث عن حل.
وحين تصبح الإجابة خارج الإطار المؤسسي، فإن المسألة تتجاوز أزمة خدمة لتلامس مسألة الثقة.
المسؤولية، في هذا السياق، لا يمكن اختزالها، فهي تبدأ من قرار إطلاق منظومة لم تستقر بعد، وتمر بكفاءة التنفيذ التقني واختبارات الضغط، ولا تنتهي عند آليات المتابعة والاستجابة اليومية، إنها مسؤولية منظومة كاملة، والمنظومات تُقاس بنتائجها لا بنواياها.
وإذا كان التحول الرقمي، في جوهره، خطوة نحو المستقبل، فإن نجاحه لا يُقاس بإعلان إطلاقه، بل بمدى شعور المواطن بآثاره في حياته اليومية. فالنظام الذي لا يختصر الوقت، ولا يُنهي المعاناة، ولا يحقق اليقين، يظل مشروعًا لم يكتمل.
ومن هنا، أناشد الرئيس، عبد الفتاح السيسي، بتوجيه مراجعة شاملة لهذا الملف، مراجعة تتجاوز الاطمئنان إلى سلامة المنظومة، إلى التأكد من كفاءتها الفعلية في خدمة المواطن، وسرعة إنجاز حقوقه.
فالتحول الرقمي لا يُقاس بلحظة الإطلاق، بل بلحظة الرضا، وما بين الرواية الرسمية وتجربة المواطن اليومية، تبقى هناك مسافة، هي وحدها التي تحدد إن كنا قد تقدمنا خطوة إلى الأمام، أم أننا فقط غيّرنا شكل الانتظار.