في الوقت الذي كان ينتظر فيه العالم التوصل إلى اتفاق بين إيران وأمريكا، وإمكانية صياغة تفاهمات جديدة بشأن الملف النووي الإيراني، للخروج من حالة الاستعصاء المزمن إلى اتفاق محايد بين الطرفين.
أدت التطورات الجديدة الأخيرة في المحادثات بين إيران وأمريكا إلى طريق مسدود، معلنةً عودة الأطراف إلى المربع صفر.
حيث إن كل طرف متمسك بشروطه الخاصة، مما أدى إلى وجود أزمة ثقة شديدة نتيجة المطالب المرتفعة من الطرفين، وتغيّر الأولويات السياسية في واشنطن وطهران.
وجود خلل بنيوي
وفي هذا الصدد، قالت الأستاذة مونيكا ويليام، المتخصصة في العلوم السياسية، إن عودة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى نقطة الصفر تعكس حالة أعمق من مجرد تعثر تفاوضي، إذ تشير إلى خلل بنيوي في مقاربة الطرفين لطبيعة التسوية نفسها؛ فواشنطن تنظر إلى التفاوض كأداة لإعادة ضبط سلوك إيران الإقليمي والنووي ضمن إطار شامل، بينما تتعامل طهران مع التفاوض باعتباره وسيلة لخفض الضغوط الآنية دون المساس بجوهر مشروعها الاستراتيجي.
مواجهة غير محسوبة
وأشارت “مونيكا ويليام” في تصريحات خاصة لـ”القصة” إلى أن احتمالات تجدد الاشتباكات المباشرة بين واشنطن وطهران ليست مرتفعة بالمعنى التقليدي، لكن خطر الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة يظل قائمًا، خاصة في ظل طبيعة “الاحتكاك المستمر” في مسارح مثل مضيق هرمز والخليج العربي. فالنمط السائد ليس حربًا شاملة، بل تصعيدًا محسوبًا عبر أدوات غير مباشرة، سواء من خلال استهدافات محدودة، أو عبر وكلاء إقليميين، أو حتى من خلال الضغط البحري، وهنا يبرز غياب الوسيط الفعّال كأحد أبرز معوقات التهدئة.
كما أضافت أنه فيما يتعلق بحدود التصعيد العسكري المباشر، فهي تظل مقيدة باعتبارات الكلفة والعائد لدى الطرفين؛ فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران ستؤدي إلى تهديد مباشر لتدفقات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، بما ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي والداخلي الأمريكي. وفي المقابل، تعي إيران أن الدخول في مواجهة تقليدية مفتوحة قد يعرّض بنيتها العسكرية والاقتصادية لضربات قاسية.
مصر أحد الفاعلين
كما أشارت إلى أنه في ظل هذا التعقيد، تبرز مصر كأحد الفاعلين القادرين على المساهمة في تهدئة الأوضاع، ليس فقط من موقع الوسيط التقليدي المباشر، ولكن من خلال دورها في بناء مسارات تواصل غير رسمية وتوفير منصات للحوار، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. كما يمكن للدولة المصرية أن تلعب دورًا في إعادة ربط المسارات الإقليمية ببعضها، خاصة أن التوتر بين واشنطن وطهران لا ينفصل عن ملفات مثل لبنان وسوريا واليمن.
تحدٍ استراتيجي مباشر
كما أوضحت، أن انعكاسات تعثر المفاوضات على الأمن القومي المصري تبدو متعددة الأبعاد؛ فمن ناحية، يشكل استمرار التوتر في مضيق هرمز تهديدًا غير مباشر للاقتصاد المصري عبر تأثيره على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما ينعكس على تكلفة الاستيراد ومستويات التضخم. ومن ناحية أخرى، فإن تصاعد التوتر الإقليمي يعيد تنشيط بؤر عدم الاستقرار في المشرق العربي، ما يضع ضغوطًا إضافية على البيئة الأمنية المحيطة بمصر.
واختتمت مونيكا ويليام قائلة: إن المشهد الراهن يعكس حالة جمود متوتر تتعايش فيها الدبلوماسية مع التصعيد دون أن يتمكن أي منهما من حسم المسار؛ فالمفاوضات لم تنهَر بالكامل، لكنها فقدت قدرتها على التقدم، والتصعيد لم يصل إلى مستوى الحرب الشاملة، لكنه يظل كافيًا لإبقاء المنطقة على حافة الانفجار.
وفي هذا السياق، قال الدكتور إسماعيل تركي، خبير العلاقات الدولية، إنه رغم الضغط العسكري وجهود الوساطة المكثفة التي بذلتها باكستان مع دول أخرى، انتهت جولة مفاوضات أبريل 2026 بين الولايات المتحدة وإيران دون اتفاق، حتى إن الطرفين لم يتمكنا من الاتفاق على جولة أخرى من المفاوضات، بعد عدم سفر الوفد الأمريكي إلى إسلام آباد بتعليمات من الرئيس ترامب.
لماذا فشلت المفاوضات في تحقيق اتفاق؟
وأوضح “إسماعيل تركي” في تصريحات خاصة لـ”القصة” أن فشل المفاوضات لم يكن سببه ضعف جهود الوسطاء أو نقص المبادرات، بل نتيجة فجوة عميقة في تعريف كل طرف لمفهوم التسوية؛ فكل منهما ذهب إلى المفاوضات بعقلية المنتصر الذي يريد فرض شروطه، وتمسك بسقف عالٍ من المطالب دون تقديم أي تنازلات.
فواشنطن أرادت اتفاقًا جديدًا بشروط أكثر تشددًا بشأن تصفير البرنامج النووي الإيراني، وتسليم اليورانيوم المخصب، وفتح مضيق هرمز دون شروط، بينما أصرت طهران على ضمانات حقيقية بعدم مهاجمتها مرة أخرى، ورفع فعلي للعقوبات قبل أي تنازل.
كما تابع أن حالة انعدام الثقة المتزايدة منذ الانسحاب الأمريكي السابق من الاتفاق النووي، إضافة إلى استهداف إيران مرتين خلال جولات التفاوض، جعلت طهران تنظر إلى أي تعهد أمريكي باعتباره مؤقتًا ومرتبطًا بتغير الإدارات. وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة أن إيران استخدمت سنوات التفاوض لتطوير قدراتها النووية والإقليمية. وبذلك، اصطدمت الوساطة الدولية بحقيقة أن الأزمة لم تعد تقنية، بل تحولت إلى صراع سياسي على ميزان القوة والنفوذ.
المطالب الأمريكية
وأشار “تركي” إلى أن المطالب الأمريكية تبدو أوسع من مجرد العودة إلى الاتفاق النووي، إذ تشمل البرنامج الصاروخي الإيراني، والدور الإقليمي، وآليات الردع العسكري، وهو ما يمنح الانطباع بأن واشنطن تسعى إلى إعادة تشكيل السلوك الاستراتيجي الإيراني بالكامل. ومن وجهة النظر الأمريكية، يمثل ذلك محاولة لإنتاج اتفاق يُخضع إيران ويمنعها من استعادة نفوذها في المنطقة.
وأكد أن المشهد الإيراني يعكس مزيجًا من كلا العاملين؛ فمن جهة، تمتلك إيران اليوم أوراق قوة مهمة، تشمل معرفة نووية وطنية، وترسانة صاروخية، وشبكة نفوذ إقليمي، وورقة مضيق هرمز الاستراتيجية، وهو ما يمنحها قدرة تفاوضية لا يمكن تجاهلها. ومن جهة أخرى، تراهن طهران على عامل الزمن، سواء عبر تغير المشهد السياسي في واشنطن.
كما أوضح أن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار الحصار البحري، وقد يتصاعد عبر ضربات سيبرانية، وعمليات استخباراتية، واستهدافات محدودة لمواقع حساسة، أو حتى قيادات، دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة، وذلك للضغط من أجل تعديل سلوك النظام الإيراني وإجباره على تقديم تنازلات سياسية على مائدة المفاوضات إذا تم استئنافها. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في ضربات عسكرية محدودة ضد منشآت نووية أو صاروخية، بهدف إبطاء القدرات الإيرانية، لكنه يحمل خطر ردود فعل متسلسلة قد توسع دائرة الصراع.
معاهدة حظر الانتشار
واختتم إسماعيل تركي حديثه قائلًا: لا تزال معاهدة حظر الانتشار النووي تمثل الإطار القانوني الذي يربط إيران بالنظام النووي الدولي، لكن استمرار فشل المسار الدبلوماسي قد يدفع طهران إلى استخدام ورقة الانسحاب كوسيلة ضغط قصوى.