مرتب شهري لا يتجاوز 6 أو 7 آلاف جنيه، حساب بسيط يكشف الفجوة، شقة من غرفة واحدة يبدأ سعرها من 11 مليون جنيه داخل مشروع “ذا سباين” لمجموعة طلعت مصطفى، ما يعني أن شابًا يحتاج نظريًا إلى أكثر من قرن من العمل لامتلاكها إذا لم ينفق شيئًا.
ليست مجرد أرقام متداولة، بل تعبير عن سوق يعيد تشكيل نفسه، حيث تتحرك الأسعار بوتيرة تتجاوز القدرة الشرائية، ويتحول السكن تدريجيًا من حق أساسي إلى أداة استثمار، في ظل موجة مشروعات ضخمة تعيد رسم خريطة العمران في مصر، وفي مقدمتها المشروع الجديد المرتبط بـ مجموعة طلعت مصطفى، والذي تشير التقديرات المتداولة إلى أن أسعار وحداته تبدأ من نحو 11 إلى 11.5 مليون جنيه للوحدات الصغيرة، وتتجاوز 15 مليونًا للشقق المتوسطة، وتصل إلى 16 مليون جنيه للوحدات الأكبر، وهي مستويات تضع حتى أصغر مساحة داخل شريحة مرتفعة، وتعكس تحرك السوق نحو نقطة بداية أعلى من السابق.
هذا الاتجاه يتسق مع طبيعة المشروع نفسه، الذي يأتي ضمن استثمارات ضخمة تقدر بنحو 1.4 تريليون جنيه، وهو ما يضعه ضمن أكبر وأكثر المشروعات العقارية ارتفاعاً في السوق المصري.
طبيعة المشروعات نفسها تستهدف في الأساس شريحة المستثمرين، وهو ما يشير إليه الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، موضحًا أن حجم الاستثمارات في هذا المشروع يقدر بنحو 1.4 تريليون جنيه، وأنه موجه لفئة الباحثين عن استثمار طويل الأجل، خاصة في ظل فترات تسليم تمتد لعدة سنوات، تبدأ من عامين إلى ثلاثة أعوام.
ويربط بدرة هذه النوعية من المشروعات بما يعرف بـ “تصدير العقار”، موضحًا أنها تستهدف بشكل أساسي المصريين العاملين بالخارج أو الأجانب، مع الاعتماد على سداد يمتد لسنوات طويلة، قد تصل إلى عشر سنوات، وهو ما يجعلها موجهة لشريحة أعلى دخلًا، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذه المشروعات لا تناسب الطبقة المتوسطة، بل تخاطب فئة أكثر ثراءً.
بينما يقول الخبير الاقتصادي وليد جاب الله إن ارتفاع أسعار العقارات يرتبط بموجة تضخم أوسع، موضحًا أن الزيادة لا تقتصر على هذا القطاع، بل تمتد إلى مختلف عناصر التكلفة، بما في ذلك مواد البناء مثل الحديد والأسمنت، إضافة إلى العمالة وأسعار الأراضي والمرافق.
كما يشير إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة يشكل عبئًا إضافيًا على المطورين العقاريين، ما انعكس على الأسعار النهائية للوحدات، مع احتمالية زيادات سنوية، مؤكدًا في الوقت ذاته أن السوق العقاري في مصر يظل متنوعًا، ويضم مستويات مختلفة من الإسكان، بحيث يمكن لكل فئة أن تجد ما يناسبها، سواء في الإسكان الاجتماعي أو المشروعات الأخرى.
ويشدد جاب الله على أن آلية السوق تظل العامل الحاكم في تحديد الأسعار، موضحًا أنه في حال المبالغة في التسعير، فإن تراجع الطلب يصبح النتيجة الطبيعية، وهو ما ينعكس بدوره على قرارات المستثمرين.
غير أن هذه التفسيرات الاقتصادية لا تلغي المفارقة الأساسية التي تكشفها بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي تشير إلى وجود ملايين الوحدات السكنية غير المستغلة في مصر، في وقت يواجه فيه قطاع واسع من المواطنين صعوبة متزايدة في الوصول إلى سكن مناسب، وهي مفارقة تعكس أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بحجم المعروض، بل بطبيعة توزيعه وتسعيره، وبالتحول المتزايد نحو اعتبار العقار مخزنًا للقيمة أو أداة استثمار، أكثر من كونه استجابة مباشرة لحاجة السكن.
هذا التحول يظهر بوضوح أيضًا في سلوك السوق، مع تباطؤ نسبي في بعض المبيعات، مقابل توسع في أنظمة التقسيط طويلة الأجل، وتحول جزء من الطلب إلى الشراء بغرض الاستثمار، وهو ما يتقاطع مع فكرة “تصدير العقار” التي تعيد ربط السوق المحلي بقدرات شرائية خارجية، وتدفع الأسعار إلى مستويات قد لا تعكس الواقع الاقتصادي لغالبية السكان.
وفي موازاة ذلك، تعكس ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي حالة من الغضب تتجاوز مجرد التعليق على الأرقام، حيث عبر مستخدمون عن شعور واضح بالإقصاء من سوق السكن، في عبارات مثل “احنا فقرا أوي ابنو للشباب الغلابة” و”منين لشاب مرتبه 6 أو 7 آلاف جنيه يشتري شقة بالمبالغ دي؟”، بينما تساءل آخرون عما إذا كانت هذه المشروعات موجهة للسوق المصري من الأساس، أم لفئات محددة أو لعملاء من الخارج، في حين ذهبت بعض التعليقات إلى المطالبة بتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية توفر فرص عمل بدلًا من التركيز على العقارات، أو التوسع في أنظمة الإيجار كبديل أكثر واقعية.
كما امتدت المقارنات إلى الخارج، مع إشارات إلى إمكانية شراء وحدات في مدن أوروبية مثل فالنسيا بأسعار متقاربة، وهي مقارنات تعكس تحولًا في طريقة التفكير، حيث لم يعد قرار السكن محصورًا في السوق المحلي، بل أصبح جزءًا من معادلة أوسع تشمل خيارات متعددة.
