بعد ما أثاره قرار وزير العدل بتعليق استفادة المحكوم عليهم في قضايا النفقات من بعض الخدمات الحكومية من ردود فعل إيجابية، ظهر توضيحا للأمر أثار موجه من الغضب، بعد تأكيد المختصون أن الأمر يقتصر فقط على الأحكام النهائية الخاصة بالنفقات الصادرة من محكمة الجنح، وليس محكمة الأسرة.
قال المحامي ياسر سعد، المهتم بقضايا المرأة، إن حكم النفقة يصدر من محكمة الأسرة ويكون واجب النفاذ من تاريخ صدوره، بمعنى أنه يمكن تنفيذه فورا حتى وإن قام الزوج بالاستئناف، لأن الاستئناف لا يوقف التنفيذ إلا في حالات محددة جدا.
محكمة الأسرة وحدها جهة الاختصاص
وأضاف سعد، في تصريحات خاصة، أن محكمة الأسرة هي الجهة الأساسية في قضايا النفقة، وهي التى تُصدر أحكام النفقة والحضانة وغيرها، إضافة إلى تحديد آلية دعوى الحبس لعدم سداد النفقة، حال صدور حكما وإعلان الزوج وعدم التزامه بالدفع.
وأوضح سعد أن دعوى الحبس تكون أمام محكمة الأسرة، وتهدف إلى إلزام الزوج بالتنفيذ من خلال توقيع جزاء الحبس حال امتناعه عن السداد بعد توافر الشروط القانونية، مثل ثبوت القدرة على الدفع وإعلان الحكم.
وفيما يتعلق بمسار الإجراءات، أكد سعد أن الزوجة تحصل في البداية على حكم نفقة من محكمة الأسرة، ثم بعدها يتم إعلام الزوج بالحكم، وإذا لم يلتزم تبدأ إحراءت التنفيذ، ومع استمرار الامتناع يكون للزوجة الحق في إقامة دعوى حبس ضد الزوج لعدم تنفيذ حكم النفقة.
النفقة إلزاما ماليا ثابتا
وأشار المحامي المهتم بقضايا المرأة إلى أن النفقة تعتبر إلزاما ماليا ثابتا، وبالتالي الأصل بها هو التنفيذ الجبري سواء من خلال إجراءات التنفيذ المعتادة أو من خلال دعوة الحبس في حالة الامتناع، ويتم كل ذلك داخل إطار محكمة الأسرة دون وجود دورا مباشرا لمحكمة الجنح في تنفيذ حكم النفقة مدنيا، بينما يظل دورها قائما في توقيع العقوبة الجنائية عند الامتناع.
بينما يناقش المختصون القرارات والأحكام، تطفو على السطح مشكلة أكبر من ذلك، عن كيفية تدبير المرأة طالبة النفقة أمورها والإنفاق على أطفالها حتى تصدر تلك الأحكام وتصبح إلزامية، وتتمكن المرأة من الحصول على نفقتها.
قصر تعليق الخدمات على الأحكام الجنائية يحمل النساء أعباء إضافية
في هذا الشأن، قالت المحامية الحقوقية، هبة عادل، لـ”القصة” إن السؤال عن الكيفية التي تعيش بها المرأة لحين صدور الحكم الجنائي النهائي هي أهم ما يجب التفكير فيه، وأضافت أنه يتعين على وزير العدل عدم ربط تعليق بعض الخدمات بالأحكام الجنائية النهائية في قضايا النفقة، واعتبرت أن قصر تعليق الخدمات على الأحكام الجنائية يحمل النساء أعباء إضافية، خاصة أن كثيرا منهن لا يملكن القدرة على خوض مسارات تقاض جديدة بعد الحصول على حكم بالنفقة، مثل إقامة دعاوى الحبس، وانتظار صدور حكم جنائي نهائي بعد استنفاذ جميع درجات التقاضي، وليس مجرد حكم أول درجة أو حكم غيابي.
وأشارت عادل إلى أن الواقع العملي يكشف عن حالات متكررة لتهرب الأزواج، مما يؤدي إلى صدور أحكام جنائية غيابية غير نهائية، وهو ما يحول دون استفادة النساء من القرار، ويجعل ربط تعليق الخدمات بالأحكام الجنائية فقط غير فعال في معالجة المشكلة.
واقترحت المحامية الحقوقية أن تكون أحكام النفقة الصادرة عن محاكم الأسرة كافية لتعليق الخدمات بشكل مباشر، دون اشتراط صدور حكم جنائي، لا سيما أن النفقة تعد في القانون “دينا ممتازا” يتمتع بأولوية في السداد.
لا بد من الدقة في تحديد إثبات دخل الزوج
ولفتت عادل إلى إشكالية التحايل في إثبات الدخل، موضحة أن تقدير دخل الزوج، خاصة في حالات العمل الحر، يتم أحيانا عبر تحريات غير دقيقة قد تتأثر بالمجاملات أو المساومات، ما يؤدي إلى تقليل قيمة النفقة المستحقة. وأضافت أن بعض العاملين يلجؤون إلى وسائل أخرى، مثل الحصول على قروض تخصم من رواتبهم، أو تقديم بيانات دخل غير مطابقة للواقع، خاصة في القطاع الخاص أو في حالات العمل غير الرسمي.
وفيما يتعلق بالحلول، أشارت عادل إلى وجود آلية “النفقة المؤقتة” في القانون، التي تتيح للمحكمة الحكم بنفقة من تاريخ إقامة الدعوى وحتى الفصل فيها، على أن تتم تسويتها لاحقا مع الحكم النهائي. إلا أنها أوضحت أن هذه الآلية نادرا ما يعمل بها في الواقع، رغم مطالبة النساء بها.
وشددت المحامية الحقوقية على أهمية تعزيز دور بنك ناصر الاجتماعي، من خلال زيادة موارده بما يسمح برفع الحد الأقصى للمبالغ المصروفة، وتوسيع نطاق المستفيدين ليشمل فئات لا تستطيع الوصول إلى حقوقها بسهولة، خصوصا في الحالات التي يتعذر فيها تحديد دخل الزوج أو ملاحقته قانونيا، وأكدت أن الهدف من صندوق الأسرة هو توفير دعم وضمانة للنساء، حتى في حال تعذر استرداد تلك المبالغ.
آليات التطبيق أهم من نصوص القانون
وفيما يتعلق بالتعديلات التشريعية، لفتت عادل النظر إلى عدد من المقترحات المطروحة ضمن مناقشات قانون الأحوال الشخصية، أبرزها “وثيقة تأمين الأسرة” التي تبرم عند الزواج، وتضمن صرف مبالغ مالية للمرأة في حال الطلاق أو الامتناع عن الإنفاق، بما يوفر لها قدرا من الأمان المادي، ويسهم في تسريع تنفيذ الالتزامات، مع تقليل الأعباء على الدولة، مؤكدة أن الهدف من هذه المقترحات هو تحقيق حماية فعالة للنساء، وتقليص الفجوة بين صدور الأحكام وتنفيذها، مشددة على أن الإشكالية لا تكمن في النصوص القانونية فحسب، بل في آليات تطبيقها على أرض الواقع.