في مشهد يثير الجدل والتساؤلات الكثيرة حول المحاولات المتكررة لاغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تعد هذه المحاولات مجرد حوادث أمنية عابرة، بل أصبحت ظاهرة سياسية معقدة تعكس طبيعة الصراع داخل الولايات المتحدة.
إن تكرار محاولات الاغتيال يكشف عن حالة من الاستقطاب الشعبي والنخبوي، ويفتح الباب للتساؤل حول المستفيدين والدوافع وراء هذه المحاولات.
في الوقت نفسه، تُعد محاولة اغتيال رئيس أمريكي دلالة على خلل أمني، كما تعكس مستوى من الكراهية والاستقطاب داخل المجتمع الأمريكي. هكذا قال الدكتور نعمان أبو عيسى، المتخصص في الشؤون الأمريكية، في تصريحاته لـ”قصة”.
وأوضح أن هناك درجات مختلفة لتفسير الأمر؛ فمن الناحية الأمنية، تبدو هناك ثغرة واضحة، إذ إن الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة مصممة لمنع مثل هذه الحوادث، وأي اقتراب مسلح من موقع تجمع سياسي يُعد خللاً.
هل يعكس ذلك عمق الانقسام داخل الأحزاب؟
أشار نعمان أبو عيسى إلى أن محاولة الاغتيال تعكس بالفعل حالة من الانقسام داخل الأحزاب، ولكن بحذر في التفسير. فالمجتمع الأمريكي يشهد تحولًا ديموغرافيًا من أغلبية بيضاء إلى تنوع أكبر، ويحاول الحزب الجمهوري الحد من ذلك عبر سياسات تقييد الهجرة، بينما يدافع الحزب الديمقراطي عن حقوق المهاجرين.
وأكد أن الحادث لا يعني أن الأحزاب نفسها تدعم العنف، لكنه يدل على أن جزءًا من القاعدة الشعبية أصبح أكثر تطرفًا، ويعكس فقدان الثقة بين التيارات السياسية.
الثقة بين التيارات السياسية
أوضح أن ما يحدث في مثل هذه الحالات غالبًا ما يرتبط بسوء تقدير للمخاطر أو فشل في تغطية جميع الزوايا، خاصة المرتفعة منها، أو ضعف التنسيق بين الجهات المحلية والفيدرالية. وبما أن تأمين الأسطح المرتفعة يُعد من أولويات الإجراءات الأمنية، فإن عدم تأمينها يشير إلى خلل تكتيكي واضح، وليس مجرد صدفة.
خطر العنف السياسي الفردي
وأضاف أن هذا الحادث لا يعني بالضرورة دخول “عصر جديد” من العنف السياسي، لكنه يعكس تسارعًا لاتجاه قائم بالفعل. فقد شهدت الولايات المتحدة سابقًا اغتيال الرئيس جون كينيدي، ومحاولات اغتيال ضد رونالد ريغان، إلا أن الفارق اليوم يتمثل في انتشار السلاح بشكل أكبر، إضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الخطاب المتطرف، وارتفاع مستويات الاستقطاب السياسي إلى أعلى مستوياتها منذ عقود. وبالتالي، نحن أمام مرحلة يتزايد فيها خطر العنف السياسي الفردي، دون أن يعني ذلك بالضرورة بداية عصر جديد.
توظيف الحادث سياسيًا
وأشار إلى أن حوادث الاغتيال أو العنف غالبًا ما تُستخدم لتحفيز القاعدة الانتخابية وزيادة التعاطف، كما تُوظَّف في الخطاب السياسي ضد الخصوم، وقد تؤدي إلى تشتيت انتباه الناخب الأمريكي عن قضايا مهمة مثل الاقتصاد وتراجع العلاقات الأمريكية مع أوروبا وبقية العالم.
وأكد أن هذا التوظيف السياسي سلوك شائع عبر التاريخ الأمريكي، وليس مقتصرًا على ترامب، ومن الصعب إثبات أن ما حدث مجرد “مسرحية”.
نظرة الأحزاب والمعارضين والمؤيدين
واختتم نعمان أبو عيسى تصريحاته بالإشارة إلى أن قطاعًا كبيرًا من الحزبين يرفض أي محاولة اغتيال بشكل قاطع، ويرى فيها خطرًا على الديمقراطية، وهو موقف عام وقوي. في المقابل، يرى أنصار ترامب غالبًا أن هذه المحاولات دليل على أنه “مستهدف من النظام أو الخصوم”، ما يزيد من دعمهم له. أما بعض المعارضين، فيدينون العنف، لكنهم لا يربطون الحادث بتعاطف سياسي كبير.
التآكل السياسي
وقال أبو بكر الديب، خبير العلاقات الدولية، إن تكرار الحديث عن محاولات استهداف شخصيات سياسية بحجم دونالد ترامب داخل الولايات المتحدة لا يمكن اعتباره حدثًا أمنيًا معزولًا، بل هو مؤشر على حالة أعمق من التآكل السياسي والاجتماعي داخل بنية الدولة الأمريكية.
خطابات متطرفة
وأشار الديب، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، إلى أنه لا يمكن الجزم بوجود جهة واحدة أو تنظيم محدد يقف خلف أي محاولة استهداف، بل الأرجح أن ما يحدث هو نتاج تفاعل معقد بين أفراد متأثرين بخطابات متطرفة متعددة المصادر، سواء من أقصى اليمين أو أقصى اليسار، أو من دوائر الرفض العنيف للمنظومة السياسية برمتها. وفي هذه الحالة، يتحول الرمز السياسي إلى نقطة إسقاط لكل التوترات المجتمعية المتراكمة.
عدم الاستقرار المزمن
وأوضح أن توصيف الولايات المتحدة كدولة فاشلة أو “جمهورية موز” يُعد مبالغًا فيه وفق المعايير الكلاسيكية لانهيار الدول، إذ لا تزال مؤسسات الدولة الأمريكية تعمل بكفاءة نسبية من حيث الاقتصاد والقضاء والجيش والانتخابات. إلا أن ما يحدث يمكن وصفه بتآكل في التماسك الداخلي السياسي والاجتماعي، مع تراجع الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وارتفاع مستويات الشك في شرعية الخصم السياسي.
وأضاف أن الاحتقان السياسي المستمر يغذي مخاطر العنف السياسي على المدى الطويل، إذ إن الاستقطاب حين يتحول إلى هوية بديلة عن المواطنة، يجعل السياسة صراعًا صفريًا، وهو ما يخلق بيئة نفسية تبرر العنف لدى بعض الأفراد باعتباره وسيلة للدفاع عن الهوية أو الأمة أو الديمقراطية، بحسب منظور كل طرف. وبالتالي، فإن التهديد لا يأتي فقط من تنظيمات، بل من تراكم سرديات متناقضة.
أشار أبو بكر الديب إلى أن هذه الحوادث، مع احتمالات عودة ترامب إلى المشهد السياسي، تدفع حلفاء الولايات المتحدة في الناتو وآسيا إلى إعادة تقييم مستويات الاعتماد الاستراتيجي على واشنطن، ليس شكًا في قوتها العسكرية، بل بسبب تراجع اليقين بشأن استمرارية السياسات.
وأكد أن “نقطة اللاعودة” في النظم الديمقراطية لا تعني الانهيار، بل تعني تحول الاستقطاب إلى حالة بنيوية يصعب تفكيكها بسهولة، وتبدو الولايات المتحدة، في هذا السياق، وكأنها دخلت مرحلة من الاستقطاب البنيوي الذي يُعاد إنتاجه عبر الإعلام والاقتصاد السياسي والهوية الثقافية، لكنه لا يزال محكومًا بإطار مؤسسي قوي يمنع الانزلاق إلى فوضى كاملة.
تشكيل السردية السياسية
وأوضح أن صور ترامب بعد أي حادث أمني أو محاولة استهداف تؤثر بشكل كبير في تشكيل السردية السياسية، سواء داخليًا أو خارجيًا، إذ تميل بعض قطاعات الناخبين الأمريكيين، خاصة المغتربين أو المقيمين خارج البلاد، إلى إعادة تقييم مواقفهم بناءً على صور الصمود أو التعرض للخطر.
واختتم أبو بكر الديب تصريحاته بالتأكيد على أن تكرار الحديث عن محاولات استهداف ترامب لا ينبغي قراءته كحدث منفصل، بل كعرض لحالة أوسع من التحول في بنية السياسة الأمريكية، حيث تتداخل الهوية مع الإعلام والاستقطاب الحزبي، لتنتج بيئة شديدة الحساسية لأي صدمة سياسية أو أمنية