بينما تضيق المساحة الجغرافية على سكان قطاع غزة في “المنطقة الصفراء” التي لا تتجاوز 35% من مساحة القطاع، تضيق معها خيارات المفاوضات، ومع إصرار الفصائل الفلسطينية على استكمال بنود “المرحلة الأولى” قبل الانتقال لاستحقاقات “المرحلة الثانية”، يبدو أننا أمام منعطف قد يؤدي إما إلى انفراجه صعبة أو إلى عودة طاحنة لآلة الحرب.
في تصريحات خاصة لـ “القصة”، يكشف الدكتور أيمن الرقب أستاذ العلوم السياسية، أبعاد المأزق الحالي، مؤكداً أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بتفاصيل المرحلة الأولى، بما في ذلك إدخال المساعدات الغذائية عبر “الغرف المتنقلة”، وهو ما خلق مشكلة ثقة عميقة لدى حماس والفصائل.
بين الترتيبات الأمنية وشبح “الحرب الأهلية”
يرى الرقب أن الحديث عن المرحلة الثانية يعني “نزع السلاح”، وهو أمر شائك جداً للفصائل ويحتاج لترتيبات أمنية مسبقة، ويحذر الرقب من خطورة حدوث “فراغ أمني” في القطاع، معتبراً أن تسليم السلاح أو نزعه دون ترتيبات أمنية واضحة لسد الفراغات هو بمثابة “وصفة لحرب أهلية في غزة”.
لذلك، يبرز مقترح “الحل الوسط” الذي يسوقه الوسطاء، والذي يعتمد على الدمج بين المرحلتين، بحيث يتم إكمال استحقاقات المرحلة الأولى ثم الانتقال لتفاصيل الثانية، مع مقترح بتسليم السلاح لـ “لجنة فلسطينية متفق عليها”، على أن تكون المرجعية هي “شرطة تشكل تحت رعاية اللجنة الوطنية للإدارة”، لضمان وحدة السلاح وحماية الاستقرار الاجتماعي.
المساحة الضيقة ورهان الانسحاب
يتساءل الرقب عن الضمانات الدولية لانسحاب الاحتلال من باقي مساحة القطاع التي تبلغ 80% من المساحة الكلية، في وقت يضغط فيه الاحتلال السكان في مساحة ضيقة جداً ويوسع “المنطقة الصفراء” بشكل كبير.
ويضيف الرقب متأسفاً بأنه: “لا توجد جهة دولية تضغط على الاحتلال، حتى الولايات المتحدة لا تمارس ضغطاً حقيقياً، وهو ما أدى لاستشهاد أكثر من 800 فلسطيني خلال ستة أشهر فقط، في ظل غياب أي التزام إسرائيلي بالانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها”.
الوسطاء والضغط على “الموافقة المبدئية”
ويكشف الرقب عن دور مكثف للمصريين والقطريين والأتراك للضغط على حماس لتعلن “موافقة مبدئية” على نزع السلاح، ثم الدخول في التفاصيل المملة التي تأخذ وقتاً، ويحذر من أن “المغامرة في هذا الأمر خطيرة، والاحتلال قد يستغل أي تردد لشن حروب جديدة”، داعيًا الفصائل للقراءة العميقة للمشهد والاستماع للوسطاء بروية لاتخاذ قرار يناسب الحالة الفلسطينية بعيداً عن المغامرة.
خطة ترامب والمصير المجهول
رغم قتامة المشهد، يؤكد الرقب أن “إغلاق الباب بشكل كامل غير وارد”، فالمفاوضات مستمرة لتجاوز الأزمة وتفادي الوصول لما هو أسوأ، ويشير إلى أن حماس كانت قد وافقت على “خطه ترامب” في حينها، وأن موضوع نزع السلاح هو جزء من هذه الخطط التي يمكن معالجة تفاصيلها لاحقاً لمنع الاحتلال من اتخاذها ذريعة لشن حرب جديدة على “القطاع الساحلي” المكتظ.
واقع “غير صالح للسكن”
وختم الدكتور أيمن الرقب حديثه لـ “القصة” بوصف مأساوي للداخل قائلاً: “الوضع صعب فوق الغاية، لا توجد أماكن صالحة للسكن، الأمراض التنفسية والمعوية تنتشر بسبب الغرف المتنقلة، والمواد الغذائية بأسعار خيالية لا يقدر عليها المواطن العادي”، ومع سيطرة الاحتلال على أكثر من 65% من مساحة غزة كحدود فاصلة، يرى الرقب أنه لا سبيل سوى قبول اتفاق يضمن انسحاب الاحتلال بناءً على الخطط المطروحة، وإلا فإن القادم سيكون “الأسوأ على الجميع”.