الحلقة الأولى من سلسلة حلقات طوفان الأقصى.. سيكولوجية انهيار إسرائيل
صدمة لم تعرفها إسرائيل من قبل
في صباح السابع من أكتوبر 2023، لم تكن إسرائيل تستعد لحرب. كانت تحتفل بعيد العرش، وتناقش انقساماتها الداخلية حول الإصلاح القضائي، وتعتقد أن الجدار الذكي المحيط بقطاع غزة يشكل حماية كافية لها.
وفجأة، انهار كل شيء، اجتاحت المقاومة الفلسطينية السياج، وقتلت وأسرت مئات الجنود والمستوطنين، وزرعت الرعب في قلب ما كان يُنظر إليه كـ”إسرائيل الآمنة”.
لم يكن هذا هجومًا عسكريًا عاديًا، بل ما عُرف بـ”طوفان الأقصى”، وهي عملية شكلت صدمة وجودية هزّت إسرائيل في العمق، وكشفت أن ما اعتبرته حصانة منيعة لم يكن سوى وهم، ولم يقتصر أثرها على حجم الخسائر، بل امتد إلى ضرب الأسس النفسية التي قامت عليها الدولة منذ عقود.
وقد امتد أثر هذه الصدمة إلى الولايات المتحدة التي رأت حليفتها الاستراتيجية تتعرض لاختراق أمني واستخباراتي غير مسبوق، كما تابع العالم بدهشة انهيار منظومات استخبارات اعتُبرت يومًا ما نموذجًا في التفوق والقدرة على الاستباق.
في هذه الحلقة الأولى من سلسلة “طوفان الأقصى: سيكولوجية انهيار إسرائيل”، نحاول تفكيك الآليات النفسية التي نشأت داخل المجتمع الإسرائيلي بعد هذه الصدمة، وكيف تحوّل الفشل الاستخباراتي إلى أزمة ثقة وجودية، دفعت المجتمع إلى استخدام آليات دفاع نفسية مثل الإنكار والإسقاط والبحث عن كبش فداء، لتجنب مواجهة الحقيقة الصادمة.
لماذا تُعد صدمة 7 أكتوبر مختلفة؟
الفرق بين الهزيمة العسكرية التقليدية والهزيمة الاستخباراتية، أن الأولى يمكن تفسيرها بعوامل مثل نقص الإعداد أو التفوق العددي أو الخطأ التكتيكي، بينما الثانية تهدم “المعرفة المسبقة” التي تقوم عليها منظومة الأمن.
في الحالة الإسرائيلية، كانت هناك مسلّمات راسخة: الموساد يعرف كل شيء، الجيش غير قابل للاختراق، حماس ضعيفة ولا تجرؤ على الهجوم، والولايات المتحدة تضمن الأمن.
لكن عندما وقع الهجوم، لم تكن الصدمة عسكرية فقط، بل معرفية ووجودية أيضًا. فقد انهار السؤال البسيط “كيف حدث هذا؟” ليحل محله سؤال أكثر إيلامًا: “ما الذي لا نعرفه أيضًا؟”
وهنا تبدأ اللحظة الوجودية، حيث تتصدع كل الافتراضات التي بُنيت عليها الهوية الجماعية، وتنهار معها الثقة بأن العالم يمكن فهمه والسيطرة عليه.
آليات الدفاع الجماعي
نظرًا لحجم الصدمة، لجأ المجتمع والمؤسسات الإسرائيلية إلى مجموعة من آليات الدفاع النفسي، التي ظهرت على المستوى الجمعي:
1. الإنكار
ظهر الإنكار في عدة صور:
“لم يكن ممكنًا توقع هذا الحجم من الهجوم” (إنكار لحجم الفشل)
“كانت ظروفًا استثنائية” (إنكار للمسؤولية)
“لا يمكن توقع كل شيء” (إنكار لإمكانية التوقع أصلًا)
وقد ساعد الإنكار على تقليل الصدمة النفسية، لكنه أعاق عملية المراجعة الحقيقية.
2. الإسقاط
تم إسقاط مشاعر العجز والفشل على الآخر، حيث جرى تضخيم صورة العدو بوصفه خارقًا، بما يخفف من وطأة الفشل الداخلي، ويحوّل المسؤولية إلى أطراف خارجية أو داخلية.
3. كبش الفداء
وهي من أبرز الآليات، حيث يتم تحميل شخص أو جهة بعينها مسؤولية الكارثة، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو السياسية.
وبذلك يتم تبسيط الأزمة المعقدة إلى “خطأ فردي” بدلًا من فشل بنيوي شامل.
مراحل الحزن الجماعي
وفق نموذج إليزابيث كوبلر-روس لمراحل الحزن، يمكن قراءة ما بعد 7 أكتوبر كالتالي:
- الإنكار: في الأيام الأولى، رفض الاعتراف بحجم الفشل
- الغضب: توجيه اللوم نحو القيادة أو الأطراف الداخلية والخارجية
- المساومة: مراجعات انتقائية للتاريخ ومحاولة تفسير ما حدث
- الاكتئاب: فقدان الثقة بالمستقبل وظهور تساؤلات وجودية
- التقبل: وهي مرحلة لم تُستكمل بعد
وتشير المعطيات إلى أن المجتمع الإسرائيلي لا يزال عالقًا بين مرحلتي الإنكار والغضب، وهو ما يعيق عملية التعافي وإعادة البناء.
صدمة هزت العالم لكنها مجرد بداية
ما حدث في 7 أكتوبر لم يكن مجرد حدث عسكري، بل صدمة كشفت تصدعات عميقة في بنية الدولة الإسرائيلية: في المؤسسة الأمنية، وفي الثقة بالقيادة، وفي التماسك الاجتماعي.
ومع استمرار هذه الصدمة، تتزايد الأسئلة حول مستقبل المشروع السياسي الإسرائيلي وقدرته على إعادة إنتاج الثقة الداخلية.
لكن السؤال الأهم يبقى:
هل تؤدي هذه الصدمة إلى إعادة بناء حقيقية؟ أم أنها تمهّد لأزمات أعمق في المستقبل؟
في الحلقة القادمة، نناقش ما يُعرف بـ”الوحدة الوهمية” بعد 7 أكتوبر، وكيف بدأت الانقسامات الداخلية في الظهور رغم مشاهد التكاتف الأولى.
على موعد قريب مع الحلقة الثانية.