في قلب العاصفة الجيوسياسية التي تضرب مسارات التجارة العالمية، لم تعد الممرات المائية مجرد نقاط عبور، بل تحولت إلى أوراق ضغط استراتيجية في صراع بسط النفوذ.
وبينما تحاول بعض التحليلات ربط ما يجري في الممرات الملاحية بجبهات بعيدة، يؤكد الواقع أن أمن الملاحة في “باب المندب” أصبح يمثل حجر الزاوية في معركة لا مكان فيها إلا لمن يمتلك القدرة على التحكم في شرايين الطاقة.
في تصريحات خاصة لـ”القصة”، يفكك الدكتور محمد مجاهد الزيات، مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، تعقيدات هذا المشهد، مؤكدًا أن الأهمية الاستراتيجية للممرات تزداد كلما اقتربت منها بؤر النزاع، حيث تحوّل “باب المندب” إلى ساحة للتنافس الدولي، نظرًا لكونه ممرًا حيويًا للتجارة وإمدادات الطاقة من بترول وغاز طبيعي.
عقدة “باب المندب” والبحث عن المسارات البديلة
يرى الزيات أن التوترات الحالية في مضيق باب المندب تمثل التحدي الأبرز للملاحة الدولية، إذ تؤدي الاضطرابات في هذه النقطة الحيوية إلى دفع القوى الإقليمية والدولية للبحث عن بدائل لنقل البترول والسلع عبر مسارات برية.
ويشير إلى وجود توجه متزايد لتعزيز الاعتماد على خطوط الأنابيب أو شبكات السكك الحديدية من الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، كبدائل لوجستية استراتيجية تضمن تدفق التجارة العالمية بعيدًا عن نقاط التوتر.
أوكرانيا والمنطقة.. “خبرة تكنولوجية” لا امتداد جغرافي
وحول محاولات ربط الحرب الأوكرانية بما يجري في الممرات المائية بالمنطقة، يوضح الزيات أن الرابط الوحيد يتمثل في “الخبرة العسكرية”، حيث قدمت أوكرانيا نفسها كطرف قادر على نقل تكنولوجيا التعامل مع “المسيّرات” بحكم تجربتها الميدانية، لكنه يستبعد تمامًا فكرة امتداد الحرب الأوكرانية كصراع عسكري مباشر إلى الممرات البحرية في منطقتنا، مؤكدًا أن لكل منطقة صراعاتها الخاصة المرتبطة بموازين القوى المحلية والدولية.
التحكم في الطاقة.. لغة القوة الجديدة
يشير الزيات إلى أن السيطرة على هذه الممرات تعني عمليًا التحكم في مسارات الطاقة العالمية، وهو ما ظهر جليًا في تداعيات الحصار على إيران. ولا يتوقف هذا التأثير عند أسعار الوقود، بل يمتد ليشمل مشتقات البترول الداخلة في صناعات حيوية مثل الأسمدة، مما يجعل “استقرار الممرات” قضية أمن قومي عالمي تتجاوز حدود التجارة لتصل إلى استقرار الاقتصاد الدولي ككل.
مرحلة “التنافس المستدام”
وفي ختام حديثه لـ”القصة”، يؤكد مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط أننا أمام مرحلة “تنافس قوى” ستظل قائمة ما دامت النزاعات الإقليمية والدولية مستمرة. و
يشدد على أن أمن الملاحة في البحر الأحمر سيظل خاضعًا لهذا التجاذب الاستراتيجي، ما يستدعي يقظة دائمة لحماية المصالح الاقتصادية المرتبطة بهذه الممرات الحيوية.