في البداية لم أنتبه!!
مكعبات صغيرة نحاسية اللون في الأرض تلمع قليلاً تحت الضوء تمر عليها قدمك وتكمل طريقك. برلين مليئة بالتفاصيل التي لا تلتفت إليها في أول مرة. فكرت إنها ربما جزء من الرصيف أو علامة لشيء تقني لا يعنيني.
لكنها تكررت.
في شارع آخر. وآخر. وأمام بناية عادية تماماً في حي هادئ.
في تلك المرة توقفت. انحنيت. وبدأت أقرأ.
اسم. تاريخ ميلاد. وكلمة واحدة تلخص ما جرى — رُحِّل. أُبيد. اختفى.
بحثت وعرفت. هذه هي الـ Stolpersteine أو “حجارة العثرة” المشروع التذكاري الأكبر في العالم الذي بدأه الفنان الألماني غونتر ديمنيغ عام 1992 ليخلّد ذكرى ضحايا الهولوكوست. أكثر من مئة ألف حجرة منتشرة في أكثر من ثلاثين دولة أوروبية كل واحدة منها مزروعة أمام آخر عنوان اختاره صاحبها بإرادته قبل أن تبتلعه آلة الإبادة النازية.
الفكرة ليست بناء نصب ضخم في ساحة رسمية يزوره السياح ويلتقطون صوراً أمامه. الفكرة أن الذاكرة تسكن في الأرض نفسها في الحي نفسه في الرصيف الذي كان يمشي عليه هذا الإنسان كل يوم قبل أن يُؤخذ. الفكرة أنك لا تذهب إلى الذاكرة بل الذاكرة هي التي تتعثر بك.
ما يجعل الـ Stolpersteine أكثر من مجرد فن عام هو ما تمثله: اعتراف مؤسسي وشعبي بالجريمة. ألمانيا لم تكتفِ بمحاكمات نورنبرغ بل بنت ثقافة كاملة اسمها Erinnerungskultur أي ثقافة الذاكرة تُدرَّس في المدارس وتُجسَّد في الشوارع وتُعاش في التفاصيل اليومية.
الهولوكوست كان جريمة بشعة بكل المقاييس. ستة ملايين يهودي إلى جانب الغجر وذوي الإعاقات والمعارضين السياسيين والمثليين أُبيدوا بمنهجية صناعية لم يسبق لها مثيل في التاريخ.
من المآخذ الموثقة على التأطير السائد للهولوكوست أنه ركّز على الضحايا اليهود دون إيلاء الاهتمام الكافي لبقية الضحايا، رغم أن الفكر النازي كان يعادي كل من لا ينتمي إلى ما سمّاه “الجنس الآري الألماني النقي”.
وفيما يخص مصطلح “معاداة السامية”، فالجنس السامي أنثروبولوجيًا يشمل شعوبًا عديدة في منطقتنا، منها العرب واليهود على حدٍّ سواء، وكلمة “سامي” مثلا اسم والدي -رحمة الله عليه- مشتقة من “سام” أحد أبناء نوح في الموروث الإبراهيمي المشترك.
لذا فإن توصيف أي عربي بمعاداة السامية — سواء بمعناها اللغوي الأنثروبولوجي الصحيح، أو حتى بمعناها السياسي المتداول — يقع في تناقض جوهري، إذ نحن أنفسنا من هذا الجنس. ولم نكن كشعوب من المفضلين للنازية على العكس! كما أننا بصفتنا مسلمين نلتزم بالإيمان بجميع الكتب السماوية والرسل -لا نفرق بين أحد منهم- خلافنا ليس مع اليهودية دينًا ولا مع اليهود شعبًا، بل مع الفكر الصهيوني الاستعماري والاحتلال.
لكن على أية حال ورغم الاستخدام السياسي الصهيوني للذاكرة البشعة لتلك الجريمة، فإن الذاكرة التي بُنيت حول هذه الجريمة ليست مبالغة بل هي استحقاق وهي الحد الأدنى الذي يجعل كلمة “لن يتكرر” تعني شيئاً.
لكن هذه الذاكرة أثبتت شيئاً أكبر من كونها واجباً أخلاقياً. أثبتت أن التسمية تنجح وأن منح كل ضحية اسمها وعنوانها يحول الرقم إلى إنسان والإنسان أصعب بكثير أن يُنسى.
لست هنا لأقول إن هذا الألم أقل أو أكثر من ذاك. الألم الإنساني ليس مسابقة وليس ملكاً لأحد. لكنني هنا لأسأل بصدق: إذا كانت الذاكرة المنظمة قادرة على أن تغير شيئاً وطريقة ألمانيا في تلك المسألة تثبت أنها قادرة فلماذا نختار بعناية من تُخصَّص له هذه الذاكرة؟
منذ عام 1948 قُتل وشُرِّد وهُدم بيته ملايين الفلسطينيين. كل واحد منهم كان له اسم وعنوان ورصيف يمشي عليه كل يوم.
ماذا لو زرعنا حجرة لكل واحد منهم؟
ليس كرد فعل وليس كمزايدة بل لأن المنطق نفسه الذي جعل أوروبا تقول “لن يتكرر” يستوجب إذا كان صادقاً أن يُطبَّق على كل إنسان في كل أرض بغض النظر عن دينه أو جنسيته أو الجهة التي تجد في موته مصلحة.
لن تتكرر المحارق الجماعية.
لن تتكرر الإبادة.
لن يتكرر تسخير العباد للعمل حتى الموت.
في غزة اليوم كثير من العناوين التي كان يمكن أن تُزرع أمامها حجارة لم تعد موجودة. البيوت نفسها أصبحت أنقاضاً. وهذا في حد ذاته يقول شيئاً صارخاً عما يعنيه أن تُمحى الذاكرة من جذورها.
نحن كبشر نملك قدرة عجيبة على تحويل المجزرة إلى رقم إحصائي إذا لم نُجبَر على رؤية الوجه خلف الرقم. الـ Stolpersteine “حجارة العثرة” تُجبرك على التوقف لأنها تضع الوجه تحت قدمك في وسط يومك العادي ولا تستطيع أن تختار ألا ترى.
المشكلة ليست أن البشر أشرار بطبعهم. المشكلة أن الشر يصبح ممكناً حين يصبح الضحية مجرد رقم في بيان رسمي. حين يُقال “سقط مئة” بدلاً من أن يُقال: سقط خالد الذي كان يبيع الخضار في سوق الزاوية. وسقطت منى التي كانت تحفظ القرآن وتحلم بأن تصبح معلمة. وسقط إبراهيم الطفل الذي لم يبلغ الرابعة بعد ولم يفهم يوماً لماذا تهتز الأرض كل ليلة تحت سريره.
الذاكرة ليست حزناً فقط. هي فعل مقاومة وهي رفض أن يختفي الإنسان في الإحصاء.
وإذا كنا نؤمن حقاً بأن الهولوكوست “لن يتكرر” فهذه الجملة لا تعني شيئاً إلا إذا كانت تعني: لن يتكرر مع أي إنسان في أي مكان مهما كان اسمه.
حجارة العثرة لا تزال تُزرع كل يوم في شوارع أوروبا. السؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء: متى تتعثر أوروبا بأسماء الفلسطينيين؟
وكلما طال تفكيري اتسعت الصورة.
الوجع لا يقف عند فلسطين. في بلادنا نحن أبناء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وإفريقيا قوائم الموتى طويلة بطرق أخرى. قتلى التعذيب في السجون. قتلى الثورات الذين خرجوا يطالبون بحقهم ولم يعودوا. قتلى الفساد الذي يأكل المستشفيات والمدارس والطرق بهدوء ودون ضجيج. قتلى الحروب التي لم يشعلوها ولم يُسألوا فيها. وكل من اضطر أن يترك بيته لا لأنه اختار بل لأن البقاء أصبح مستحيلاً.
ماذا لو وضعنا حجرة لكل واحد منهم؟
أتساءل إن كنا سنجد مكاناً نضع فيه أقدامنا في شوارعنا من جديد دون أن نطأ ذاكرة أحد كان هنا.