لم يعد الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة مجرد مشروع أيديولوجي أمني تقوده تجمعات المستوطنين، بل تحول في المشهد السياسي الاسرائيلي الراهن إلى عملة سياسية تستخدم بامتياز لتعزيز الحظوظ الانتخابية وشراء الولاءات الحزبية.
في ظل أزمات الحكم المتلاحقة والتطرف نحو اليمين، أصبحت شرعنة البؤر الاستيطانية أداة استراتيجية بين الائتلافات الحكومية، خاصة في الفترة التي تسبق انتخابات 2023 لاستقطاب ناخبي اليمين القومي والديني وتحويل ملف الأرض إلى ورقة ضغط.
تصويت المستوطنين
وفي هذا الصدد، قال الدكتور أيمن الرقب، علوم سياسية، هناك منافسة شرسة داخل اليمين الإسرائيلي على أصوات السكان المستوطنين، الذين يُقدر عددهم بنحو مليون نسمة “مع ما بين 400 ألف و500 صوت”، وهذه والأصوات مهم بالنسبة للإسرائيليين، خاصة أن الصراع من داخل اليمين نفسه، ويسعى نتنياهو على تأمين هذه الأصوات من خلال تسهيل توسيع المستوطنات.
الصفقات السياسية
وأشار “الرقب” فى تصريحات خاصة لـ “القصة” إلى أن نتنياهو خلال تشكيل الحكومة الحالية قد وعد بتسلئيل سموتريتش بتسهيل الاستيطان ونمو البؤر الاستيطانية، إذ يعد شرطاً أساسياً وضعه سموتريتش للانضمام إلى حكومة نتنياهو الائتلافية.
المراكز الأمامية كـ “خلايا سرطانية”
كما أوضح “الرقب” أن نتنياهو الآن يسهل لهم بناء البؤر الاستيطانية، حيث تعتبر أن المراكز الأمامية كـ””خلايا سرطانية” تنتشر في جميع
أنحاء الضفة الغربية، تبدأ كبؤر استيطانية صغيرة وغير مرخصة، لكنها تنمو في نهاية المطاف ويتم “تقنينها” بأثر رجعي من قبل الحكومة لتصبح مستوطنات رسمية.
موقع استراتيجي
واستطرد، غالباً ما يتم وضع هذه البؤر الاستيطانية بالقرب من المستوطنات الكبيرة والراسخة لتسهيل ضمها المستقبل وخلق حقائق على الأرض تجعل قيام دولة فلسطينية متصلة أمراً مستحيلاً، وبالتالي انتشار أكثر من 280 مستوطنة وبؤر استيطانية مختلفة بين بؤر استيطانية رعوية وبؤر استيطانية زراعية وبؤر استيطانية فقط دون أهداف، كل الهدف منها أن تتحول هذه البؤر إلى مستوطنات.
وأردف أن نتنياهو يسهل لهم ذلك على أمل أن يحصل على أصوات المستوطنين، بشكل عام فإن نسبة المستوطنين من المصوتين فى الانتخابات المقبلة لنتنياهو حسب استطلاعات الرأي لا تصل إلى 70%، والأغلبية الأكبر تذهب إلى حساب اليمين الأكثر تطرفا مثل القوة اليهودية والصهيونية الدنية، ورغم كل ذلك أكثر من يسهل لهم تمدد هذه المستوطنات هو نتنياهو.
كما أوضح، أن المستوطنات هي ورقة مهمة جدًا بالنسبة لنتنياهو، يستطيع من خلالها استمالة مؤيدين من بعض الأحزاب التي سيتحالف معها من اليمين، ويستغل هذه الورقة ضد خصومه.
وأضاف: ورغم أن نفتالي بينيت ليس يساريًا، فهو وُلد داخل اليمين وترعرع فيه، وأفكاره يمينية، وحتى في التحالف الذي قام به مع يائير لابيد، فإنه في النهاية تكتل يمين-وسط وليس يسارًا. الآن، يستغل نتنياهو فكرة دعمه للاستيطان لاستمالة أصوات المستوطنين أولًا، ثم أصوات اليمين، كما أن أحزاب اليمين ستكون أكثر أمانًا في دعمه لرئاسة الحكومة، بصفته الأكثر ضمانًا للحصول على المستوطنات والأكثر حماية لهم.
كما أشار “الرقب” إلى أن القرار 2334 الذي صدر في ديسمبر عام 2016 كان في نهاية حقبة أوباما، ثم جاء بعد ذلك ترامب الذي انقلب على هذا القرار ودعم الاستيطان. ورأينا في عام 2020 دعمه الواضح للاستيطان، وطرحه في خطته المعروفة بـ”صفقة القرن” الاعتراف بالمستوطنات الكبرى كجزء من دولة الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه اعترف بالقدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
توسع تاريخي
واستكمل، أنه في السابق كان الديمقراطيون نظريًا ضد الاستيطان، لكن عمليًا لم يفعلوا شيئًا لوقفه. وجاء ترامب بموقف واضح مؤيد للاستيطان والتمدد الاستيطاني، ودعم نتنياهو واليمين المتطرف، خاصة أن خلفيته يمينية. وفي عهده، استغل نتنياهو هذا الدعم في إصدار قرارات للتوسع وبناء مستوطنات جديدة، حيث تم إنشاء أكثر من 9000 وحدة استيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يمثل توسعًا كبيرًا.
كما تابع، أن نتنياهو يستغل موضوع الاستيطان في طرد الفلسطينيين من أراضي الضفة الغربية، أو على أقل تقدير ضم مساحة كبيرة جدًا منها، مع الحديث عن ضم مناطق تتجاوز 60% من مساحة الضفة الغربية.
استراتيجية نتنياهو السياسية
واختتم “الرقب” قائلًا: سيستغل نتنياهو أطروحة الاستيطان في كسب أصوات المستوطنين من خلال تشجيع توسيع المستوطنات وما يرتبط بذلك من نفوذ سياسي، لا سيما في ضوء الانتخابات المقبلة، بما في ذلك دعم شخصيات يمينية. وتوصف المستوطنات بأنها “خلايا سرطانية” تهدف إلى تهجير الفلسطينيين وضم جزء كبير من الضفة الغربية.
وفي سياق متصل، قال إبراهيم الدراوي، المتخصص في الشأن الإسرائيلي، إن شرعنة البؤر في الضفة الغربية يقوم بها بنيامين نتنياهو وسموتريتش وإيتمار بن غفير، حيث يأخذون ملف الاستيطان على عاتقهم، لأن ذلك يزيد من شعبيتهم. فالجميع يعلم أن الحريديم والمتطرفين اليهود وأصحاب المدارس الدينية المتشددة، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يمثلون وقودًا للمعركة الانتخابية، وهم من يستميلون الناس للتصويت لصالح مرشح معين.
الاعتداءات وقود للمعركة الانتخابية
كما أشار “الدراوي” في تصريحات خاصة لـ “القصة” إلى أن الاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم أصبح بمثابة وقود للمعركة الانتخابية، حيث إن من يحصل على أصوات أكثر هو من يدعم المستوطنين والمتطرفين اليهود في اعتداءاتهم المتكررة على الفلسطينيين. وأكد أن البؤر الاستيطانية غير القانونية باتت تُطرح وكأنها أراضٍ إسرائيلية، ولم يعد هناك تمييز واضح للأراضي الفلسطينية، بل أصبح هناك تداخل كامل بين الإسرائيليين والفلسطينيين في بعض المناطق.
وأردف، أن الإسرائيلي اليوم يذهب إلى الضفة الغربية، ويستوطن في مزارع الزيتون وعلى الجبال، ولا يستطيع أحد الاعتراض أو مواجهته، خاصة أن المستوطنين أصبحوا مسلحين بأوامر من الشرطة الإسرائيلية، وتحديدًا من بن غفير، الذي يلح على تسليحهم من قبل الدولة.
كما أضاف، أن هناك حديثًا داخل الاتحاد الأوروبي، ومن بعض النواب في الكونغرس الأمريكي، حول عمليات الاستيطان وتغيير البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك في عرب 48، حيث يتصدر هذا الملف النقاش في المجتمع الدولي. ويحاول نتنياهو أن يظهر بمظهر من يحقق مكاسب على الأرض، كما حدث في قطاع غزة.
60% من أراضي قطاع غزة
وأردف، أن الجانب الإسرائيلي عندما أراد التفاوض، استولى على ما يقرب من أكثر من 60% من أراضي قطاع غزة، وترك المنطقة المتبقية للفلسطينيين، والتي تقل عن 40%. وذلك لأنه يسعى إلى التواجد في القطاع بنسبة تصل إلى نحو 50%، منها 25% مستوطنات، و25% مناطق أمنية تسيطر عليها مجموعات مسلحة تابعة له، وبذلك يصبح الفلسطينيون محصورين في أقل من 40% من مساحة القطاع. ويرى أن هذا النموذج يُطبَّق أيضًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواء في الضفة الغربية أو مناطق عرب 48 أو المخيمات.
قرارات استباقية مشرعنة
واختتم “الدراوي” حديثه قائلًا: إنه حتى هذه اللحظة لم تكن هناك بؤر استيطانية عشوائية بالكامل، فمعظمها يُقام من قبل مستوطنين إسرائيليين، ثم يعمل سموتريتش وبن غفير على إصدار قوانين لشرعنتها داخل الكنيست، ويتم اعتمادها بقرارات رسمية. وبمتابعة القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يتضح أن ما يرتكبه الجانب الإسرائيلي من خروقات في ملف الاستيطان هو أمر ممنهج ومُشرعن داخليًا عبر مؤسسات الدولة، ويتم توثيقه رسميًا وإرساله إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وبالتالي، فإن الجانب الإسرائيلي لا ينتظر شرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية، بل يسعى إلى تقنينها بشكل استباقي.