تحولت الهدنة الأحادية التي أعلنتها موسكو بمناسبة عيد النصر إلى ساحة مفتوحة للاتهامات المتبادلة وضربات المسيرات الانتحارية، إذْ لم تصمد لغة التهدئة أمام واقع الميدان المشتعل بضربات إجهاضية متبادلة، ويبدو أن رهان السلام المؤقت سقط في فخ الاستنزاف التكنولوجي والسياسي، ومن هنا نرصد كيف تحول رهان التهدئة إلى وقود لاستمرار آلة الحرب التي لا تعترف بقدسية المواعيد الرمزية.
حقيقة الهدنة الأحادية
وتحدثت الدكتورة إنجي بدوي، الباحثة السياسية، والدكتور إبراهيم جلال فضلون، أستاذ العلاقات الدولية، لـ “القصة” عن استراتيجيات الحرب في ربيع 2026 وحقيقة الهدنة الأحادية وسيناريوهات الميدان.
وفي تصريحات خاصة لـ “القصة”، قالت الدكتورة إنجي بدوي، الباحثة السياسية: أرى أن الهدنة الأحادية استفزازية أكثر من كونها مناورة تكتيكية لأن هذا التوقيت يأتي مع يوم النصر الروسي، وهو موقف استفزازي للاتحاد الأوروبي الذي أصبح يمثله الآن زيلينسكي، وروسيا لا تحتاج إلى فرض موقف إنساني أو مناورة تكتيكية، فهي تعد الجانب الأكثر ربحا في المعركة، فهي مسيطرة على 20% من مساحة أوكرانيا.
أوكرانيا واعتراض المسيرات الروسية
وتابعت الباحثة السياسية: هذه الهدنة استفزت الجانب الأوكراني، كما أن وزارة الدفاع الروسية أعلنت خلال 4 ساعات، اعترضت 95 مسيرة، وأكثر من 200 مسيرة على مدار الـ 24 ساعة الماضية، ومن الواضح أن أوكرانيا تشعر باستفزاز من هذه الهدنة الأحادية، التي جاءت من الطرف الأكثر ربحا وليس الأضعف.
وأكملت: هذه الهدنة الأحادية تعتبر محاولة حقيقية للتهدئة، بسبب احتفالات عيد النصر، لكن من المؤكد أن روسيا على استعداد لاستكمال الحرب، والدليل أنها حددت أيام الهدنة ولم تطلب هدنة طويلة المدى، ومن الصعب تحديد من بدأ بإطلاق المسيرات، ولن نقول خرق هدنة لأنها هدنة من جانب واحد فقط.
واستكملت بدوي: لكن من المتوقع أن أوكرانيا تعبّر عن استيائها وتطلق مسيرات وتتهم روسيا بأنها تفتعل موقفا دعائيا، خاصة أن زيلينسكي تلقى العديد من الرسائل تفيد بأن ممثلين عن دول سوف يحضرون عيد النصر وهو أمر من الصعب تقبله بسهولة، فبدلا من الوقوف إلى جانب أوكرانيا الآن، يحدث أن بعض الدول تحتفل مع روسيا.
حرب إيران شغلت الجميع عن الحرب الروسية الأوكرانية
وأردفت: ولكن زيلينسكي تعامل مع الموقف بمكر، حتى لا يهتز موقفه أمام الشعب الأوكراني والعالم إذ قال الرئيس الأوكراني ساخرا “يريدون تصريحا من أوكرانيا لاحتفال ساعة في الساحات”، ومن الصعب أيضا تحديد موقف حقيقي للغرب والولايات المتحدة لأن الحرب مع إيران شغلت الجميع عن الحرب الروسية الأوكرانية، ولكن إذا استمرت الحرب مع إيران سوف تكون الحرب الروسية الأوكرانية منسية نهائيا لأنها لم يتخذ فيها أي خطوة إيجابية على العكس ستستمر روسيا في تحقيق أهدافها.
واختتمت الباحثة السياسية: وهناك ضغوط لفرض السلام بين الطرفين ولكن ليست ضغوطا حقيقية، مثلا عند وقف إطلاق النار في غزة، فرضت الولايات المتحدة كلمتها على إسرائيل، وتم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ، والحرب الروسية الأوكرانية لم ترَ موقفا حقيقيا للتواصل لسلام بين الطرفين، قائلة إن أما السيناريو المتوقع للعمليات العسكرية، فهي حرب استنزافية أكثر بين الطرفين، وستكون ما بين هدنة مؤقتة لإعادة ترتيب الصفوف بين الطرفين، خاصة أن الخسائر كبيرة لكل منها في الذخائر والجنود، وما بين ضربات متبادلة ولكن بتصعيد محدود حتى تسير الأمور للعودة لطاولة المفاوضات مرة أخرى.
استراتيجية موسكو في الصراع
وفي تصريحات خاصة لـ “القصة” يقول الدكتور إبراهيم جلال فضلون: تعتمد موسكو استراتيجية التهدئة التكتيكية المشروطة والأحادية مع استمرار الضربات، وذلك ليس تناقضا، بل هو مناورة الشرعية المزدوجة، والهدف منها مزدوج سياسيا تهدف روسيا إلى الظهور بمظهر الطرف المسؤول أمام حلفائها في بريكس، وإلقاء عبء استمرار الحرب على كاهل كييف أمام المجتمع الدولي، وأضاف خاصة مع دخول الوساطة الأمريكية على الخط، وتصوير نفسها كطرف منضبط يحتفل بذكرى النصر، بينما تستخدم الضربات الميدانية كعمليات إجهاض استباقية لأي هجوم أوكراني قد يستهدف العمق الروسي أثناء الاحتفالات، وعسكريا توفر الهدنة غطاء إعلاميا لإعادة تموضع الوحدات المنهكة.
وأردف: فاستمرار الضربات أثناء الهدنة هو تكتيك الدفاع النشط، للحفاظ على زخم الجبهة، فالأرقام تشير إلى أن روسيا تكبدت ما يقارب 1.2 مليون إصابة حتى ربيع 2026، وهي لا تستطيع تحمل جمود طويل يسمح لأوكرانيا باستغلال الهدوء المفترض لإعادة تنظيم صفوفها.
أوكرانيا والهدنة المضادة
وأردف أستاذ العلاقات الدولية: أما رفض أوكرانيا وإعلانها هدنة مضادة، فيفسر الموقف الأوكراني في أروقة السياسة الدولية كاختبار للنوايا، ورفض التوقيت الروسي إذ رأت كييف أن الهدنة الروسية “9-10 مايو” هي مجرد غطاء أمني لحماية الساحة الحمراء، لذا اقترحت هدنة مضادة في توقيت مختلف لتثبت للعالم أن روسيا لن تلتزم بوقف إطلاق النار إذا لم يخدم جدول أعمالها الرمزي.
وأكمل: وتشير البيانات الميدانية المجمعة حتى 9 مايو 2026، إلى دخول الصراع مرحلة الاستنزاف التكنولوجي الحرج، فقد سجلت فترة الهدنة الروسية الأحادية منذ 7 مايو أكثر من 210 ضربات صاروخية وجوية روسية يوميا، واستهدفت بشكل مباشر العقد اللوجستية في خاركيف وزاباروجيا، وتشير التقديرات إلى أن روسيا فقدت ما يقارب 14500 دبابة ومركبة مدرعة منذ بداية النزاع.
واستكمل فضلون: ومع تراجع وتيرة التعويض الصناعي بنسبة 12% في الربع الأول من 2026 بسبب نقص العمالة المتخصصة، ومن ناحية مصداقية البيانات وخرق الهدنة، ففي حرب المعلومات لعام 2026، تخضع المصداقية لمعايير التحقق الرقمي المستقل عبر عاملين.
رد الفعل الروسي وعقيدة الحرب الجديدة
وأردف أن التضليل الإعلامي يستخدمه الطرفان تحت بند استراتيجية الإنكار المبرر، لأن روسيا تعلن أن ضرباتها هي رد فعل على خروقات أوكرانية، بينما توثق أوكرانيا بالصور الفضائية التحركات الروسية قبل الهدنة، والثاني التأثير النفسي تهدف البيانات المتضاربة إلى خلق حالة من اللايقين لدى الجنود على الجبهة، مما يضعف الروح المعنوية ويجعل قرار الهجوم محفوفا بالمخاطر السياسية.
وأضاف: والمصداقية حاليا تميل للجهات التي توفر بيانات مفتوحة المصدر وليس لبيانات وزارات الدفاع.
وأكمل أستاذ العلاقات الدولية: أما سحب المعدات من العروض العسكرية فهو تحول بل اعتراف روسي صريح بتغير عقيدة الحرب لأمرين أمنيا لسبب استراتيجي وهو الحفاظ على الأصول، واقتصاديا تقدر كلفة تأمين الأجواء فوق موسكو في يوم 9 مايو بنحو 350 مليون دولار من حيث استهلاك صواريخ الدفاع الجوي وساعات طيران التحريم، وهو استنزاف غير منطقي اقتصاديا في ظل الحاجة للجبهة.
واختتم فضلون: والسيناريو الأكثر احتمالا بعد 9 مايو 2026، بناء على وثائق مسربة بعد النصر هو مرحلة التكتيك الميداني، ستنتقل أوكرانيا إلى استراتيجية قطع الشرايين، بالتركيز على تدمير جسور الإمداد والمستودعات في القرم، مستغلة استنزاف الدفاعات الجوية الروسية خلال فترة الأعياد، ومن المتوقع عودة الضربات البعيدة المدى لتأمين مكاسب على الطاولة التفاوضية، مع استبعاد أي هجمات برية واسعة النطاق من الطرفين، ونظرا لاستنزاف القدرات البشرية التي تقترب من حاجز 2 مليون ضحية إجمالا بحلول نهاية الشهر الحالي.