لم يكن الجدل الذي أثارته تصريحات رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس بشأن الإمارات ورئيسها الشيخ محمد بن زايد سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواقف والتصريحات التي جعلت اسمه حاضرًا باستمرار في قلب النقاش العام، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الإعلام.
بدأت الأزمة عندما تحدث ساويرس خلال مقابلة تلفزيونية مع الإعلامية “هادلي غامبل”، وأطلق وصف “الأب الروحي لمصر” على رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد.
ولم تتوقف تصريحاته عند هذا الحد، بل تطرق إلى ملفات أمنية وإقليمية حساسة حين صرح علنًا بأن “مصر أرسلت جزءاً من فائض قدرتها العسكرية إلى دولة الإمارات منذ اليوم الأول لدعمها في مواجهة إيران”.
وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، نجح ساويرس في بناء واحدة من أكبر الإمبراطوريات الاقتصادية في المنطقة، لكنه في الوقت نفسه ظل شخصية مثيرة للجدل، لا يتردد في إبداء آرائه في الملفات السياسية والدينية والاجتماعية.
من صعيد مصر إلى عالم المليارات
ولد نجيب أنسي ساويرس في 17 يونيو 1955 بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج، داخل واحدة من أشهر العائلات الاقتصادية في مصر، فهو الابن الأكبر لرجل الأعمال الراحل أنسي ساويرس، مؤسس مجموعة أوراسكوم، وشقيق المليارديرين ناصف وسميح ساويرس.
حصل على درجة الهندسة الميكانيكية ثم الماجستير في الإدارة التقنية من المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في سويسرا، قبل أن يعود إلى مصر للمشاركة في إدارة أعمال العائلة.
في أواخر الثمانينيات قاد قطاع التكنولوجيا داخل مجموعة أوراسكوم، ثم اتجه بقوة إلى قطاع الاتصالات الذي كان لا يزال في بداياته داخل السوق المصرية.
صناعة إمبراطورية الاتصالات
كان ساويرس من أوائل المستثمرين الذين أدركوا أهمية الاتصالات والإنترنت في المنطقة العربية، ففي عام 1994 أسس أول شركة إنترنت في مصر، ثم أطلق أول شركة اتصالات عبر الأقمار الصناعية عام 1996.
لكن القفزة الكبرى جاءت عام 1997 عندما شارك في تأسيس شركة “موبينيل”، التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى أكبر شركة للهاتف المحمول في مصر، وواحدة من أبرز قصص النجاح الاقتصادية في المنطقة.
ومع توسع أوراسكوم تيليكوم خارج مصر، امتدت استثمارات الشركة إلى عشرات الدول في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، قبل أن يبيع ساويرس الجزء الأكبر من أعماله في الاتصالات ضمن صفقات ضخمة بمليارات الدولارات.
دخول عالم الإعلام
لم يكتف ساويرس بالاتصالات، بل اتجه إلى الإعلام أيضًا، فأطلق قناة “أون تي في” عام 2007، واستثمر في صحف ومؤسسات إعلامية مختلفة، ليصبح أحد أبرز رجال الأعمال المؤثرين في المجال الإعلامي المصري.
موقفه من ثورة يناير
شكلت ثورة 25 يناير 2011 واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في مسيرة ساويرس، ففي الأيام الأولى للثورة اتهمه معارضوه بالانحياز إلى نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، كما تعرضت شركة موبينيل لانتقادات واسعة بسبب تنفيذ قرار الدولة بقطع خدمات الاتصالات خلال أحداث “جمعة الغضب”.
وظهر ساويرس في عدد من المقابلات الإعلامية معبرًا عن تخوفه من سقوط الدولة والفوضى، وهو ما فسره خصومه باعتباره دعمًا لبقاء مبارك، لكن بعد نجاح الثورة وسقوط النظام، أعاد تموضعه سياسيًا وأصبح من أبرز الداعمين لما عرف آنذاك بالدولة المدنية.
تأسيس حزب المصريين الأحرار
في أبريل 2011 أعلن تأسيس حزب المصريين الأحرار، أحد أبرز الأحزاب الليبرالية في مصر بعد الثورة، وخاض الحزب الانتخابات البرلمانية في مواجهة مباشرة مع الأحزاب الإسلامية التي كانت تتمتع بشعبية كبيرة آنذاك.
أزمة “ميكي ماوس وميني”
في العام نفسه واجه واحدة من أشهر الأزمات في حياته العامة، بعدما نشر صورة ساخرة لشخصيتي “ميكي ماوس” و”ميني” بملابس ذات طابع إسلامي.
وأثارت الصورة موجة غضب واسعة، وواجه دعاوى قضائية واتهامات بازدراء الدين الإسلامي، قبل أن يعتذر مؤكدًا أن الأمر كان على سبيل المزاح وليس الإساءة.
معركة الضرائب
من أكبر الأزمات التي واجهها ساويرس أيضًا نزاعه مع مصلحة الضرائب المصرية، طالبت السلطات شركاته بسداد مليارات الجنيهات كضرائب مستحقة على إحدى صفقات بيع أوراسكوم تيليكوم.
واستمر الخلاف لفترة طويلة قبل التوصل إلى تسوية مالية أنهت النزاع، في واحدة من أكبر القضايا الضريبية في تاريخ القطاع الخاص المصري.
دعم “تمرد” وأحداث 30 يونيو
بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في 2013، أعلن ساويرس دعمه لحركة “تمرد”، وكشف في مقابلات صحفية أنه ساهم في دعمها.
رغم تراجعه النسبي عن قطاع الاتصالات، واصل ساويرس بناء إمبراطوريته الاستثمارية، فاتجه بقوة إلى قطاع التعدين والذهب عبر شركة “لامانشا”، كما توسعت استثماراته في السياحة والعقارات والإعلام وأسواق المال.