قالت الدكتورة هنا أبوالغار، أحد مؤسسي “بناتي” للأطفال بلا مأوى، إننا أمام ثلاث فئات متضررة من القضية المطروحة أمامنا مؤخراً بخصوص مستشفى الشاطبى.
وأضافت، في تدوينة عبر “فيسبوك”، أن أول تلك الفئات هي نساء لديهم شكاوى وشهادات مقلقة تخص الصحة الإنجابية الآمنة التى يستحقونها. وثانيها الأطباء والمؤسسة المعنية التى ينتمون لها، “ومؤسسات طبية مماثلة فى مصر”. الذين طالهم التعميم الذي يخلط بين الخروقات المهنية الفردية وصورة المهنة ككل. أما الثالثة فهي حماية حرية التعبير باعتبارها أداة ضرورية للكشف عن القصور ودفع الإصلاح. دون أن تتحول إلى وسيلة للتشهير أو الإدانة غير المنضبطة.
وتابعت: “هذه القضايا لا يمكن فصلها عن بعضها، وفهمها معًا هو الخطوة الأولى لأي نقاش مسؤول”.
وأردفت: “حرية الرأي والتعبير، أيا كان هذا الرأى أو من يعبر عنه، هي أحد أهم ضمانات السلم الاجتماعي. فإتاحة المجال للرأي والرأي الآخر تكشف المشكلات وتساعد على التعامل معها قبل أن تتفاقم. أما التخويف أو العقاب أو التشهير بسبب إبداء الرأي، فيؤدي إلى الاستقطاب والضغينة ويؤخر الحلول. كما أن استخدام اللجان الإلكترونية أو حملات التشويه لإسكات الأصوات المخالفة، سواء من جهات منظمة أو مجموعات تتبنى رأيًا واحدًا، يضر بالمجتمع وبالقضايا التي يدّعي الدفاع عنها”.
وأكدت أبوالغار أن المستشفيات الجامعية والتعليمية ومستشفيات وزارة الصحة لها فضل كبير على المريض المصري وعلى مهنة الطب. خصوصا أنها صمدت لعقود أمام نقص الموارد، والزيادة الضخمة في أعداد المرضى والأطباء المتدربين، والضغوط الاقتصادية المتلاحقة. واستمرت في تقديم خدمة طبية وتخريج أطباء شرفوا مصر فى العالم بأسره.
وقالت: “لم تعد مهنة الطب جاذبة للشباب كما كانت. فهي تتطلب سنوات طويلة من الجهد والتضحية، بينما أصبح العائد المعنوي في كثير من الأحيان سلبيًا. ومن أسباب ذلك التعميم المستمر الذي يحول الأخطاء الفردية إلى إدانة للمهنة كلها أو للمؤسسة بأكملها. والطبيب الذي يستيقظ يوميًا على اتهامات جماعية للمستشفيات والأطباء لن يخرج من هذه التجربة دون أثر. كما أن الأجيال الجديدة تراقب هذا المشهد وتعيد التفكير في اختيارها للمهنة”.
وأوضحت: “الصحافة المهنية ضرورة لأي مجتمع يسعى للإصلاح. فالتحقيق الجاد القائم على الشهادات والوثائق والوقائع الموثقة قادر على كشف القصور ودفع المؤسسات إلى التغيير. أما تداول وقائع غير محددة دون أسماء أو تواريخ أو معلومات تسمح بالتحقيق، فغالبًا لا يؤدي إلى إصلاح حقيقي. وإذا كانت هناك ممارسات مؤذية أو غير مقبولة، فمن المهم أن تصل عبر القنوات التي تسمح بالمحاسبة والتغيير، مع بقاء وسائل التواصل الاجتماعي خيارًا أخيرًا عندما تغيب الاستجابة”.
وتابعت: “تحسين بيئة الولادة داخل المستشفيات الكبيرة ليس مطلبًا مجتمعيًا فقط. بل هو أيضًا شاغل أساسي للأطباء أنفسهم. وأتذكر هنا بحثًا مهمًا مصرى أظن انه أُجري عام 2006، بواسطة مجموعة من أساتذة النساء والتوليد والأطفال والصحة العامة من عدة جامعات مصرية. قام الباحثون بمتابعة الولادات داخل عدد من المستشفيات الجامعية ومستشفيات وزارة الصحة من خلال الحضور المباشر وتسجيل ومراجعة أكثر من 200 عنصر يتعلق ببيئة الولادة، وسلوك الفريق الطبي والتمريضي، والحالة النفسية والاجتماعية للأم، والعلاقة بينها وبين مقدمي الرعاية، بالإضافة إلى رعاية المولود بعد الولادة. وقد نتج عن هذا العمل نشر عدة أوراق علمية مهمة عُرضت في مؤتمرات علمية محلية ودولية، وأسهمت في كشف جوانب قصور لم تكن مرئية للكثيرين فى المجال الطبى، كما ساعدت على إدخال تحسينات حقيقية داخل المؤسسات التي شملتها الدراسة”.
وأشارت أبو الغار إلى أن التفاعل الكبير مع مثل هذه المنشورات يشير إلى وجود قضايا حقيقية تحتاج إلى اهتمام. لكنه لا يكفي وحده لفهم حجم المشكلة أو علاجها. وشددت على أن التفاعل لم يأتِ فقط من النساء ومتلقي الخدمة، بل أيضًا من أعداد كبيرة من الأطباء الذين عبّروا عن استيائهم وألمهم مما يرونه تعميمًا وإدانة جماعية للمهنة.
واختتمت أبوالعار تدوينتها: “نساء مصر يحتجن إلى مستشفيات مثل الشاطبي وقصر العيني وغيرها من المؤسسات التعليمية الكبرى. وحماية هذه المؤسسات لا تعني تجاهل الأخطاء أو التستر عليها. بل تعني كشفها ومحاسبة المسؤول عنها والعمل على إصلاحها. فالنقد المسؤول يبني المؤسسات، أما التعميم والتشهير فيضعفانها، ويدفع ثمن ذلك في النهاية المرضى والمجتمع كله”.