في عام 2010، وبعد أيام من فوز منتخب مصر بكأس الأمم الإفريقية للمرة الثالثة على التوالي، أجريت حوارًا لجريدة الدستور مع شخصية سياسية بارزة.
بدأت الحوار بالحديث عن مشهد بدا مألوفًا وقتها.
آلاف المصريين يملأون الشوارع، أعلام ترفرف في كل مكان فرحًا بالفوز.
واحتفالات وهتافات تمتد حتى ساعات الفجر.
سألته وقتها: هل يمكن اعتبار كل هذا مجرد فرحة بكرة القدم؟
ابتسم وأجاب بما معناه: لا تستهينوا بالأمر.
قال إن الشعوب لا تخرج إلى الشوارع بهذا الشكل من أجل مباراة فقط.
وإن الانتماء أحيانًا يجد طريقه إلى التعبير عن نفسه عبر كرة القدم عندما تغيب المساحات الأخرى.
وإن تلك اللحظات من الفرح والهتافات تكشف شيئًا أعمق من مجرد تشجيع المنتخب.
تذكرت هذا الحوار اليوم وأنا أشاهد الجماهير المصرية في الولايات المتحدة وكندا.
لم تكن المدرجات وحدها هي التي لفتت انتباهي.
بل مئات المصريين الذين ينتظرون أمام مقر إقامة المنتخب.
آخرون يطاردون حافلة الفريق من مدينة إلى أخرى.
أطفال يمدون “تيشرت” المنتخب طلبًا للتوقيع، ويلتقطون الصور مع محمد صلاح أو عمر مرموش أو حسام حسن.
عائلات كاملة جاءت من ولايات بعيدة فقط من أجل صورة أو تحية أو لحظة عابرة مع هؤلاء الذين جاءوا من أرض الوطن.
كل هؤلاء انصهروا جميعًا حبًا وتشجيعًا للمنتخب المصري.
أسر مسيحية وأخرى مسلمة، شباب ورجال ونساء وأطفال.
في كل مكان تقريبًا كانت الأعلام المصرية حاضرة.
فوق الأكتاف وعلى النوافذ وفي الشوارع المحيطة بالملاعب.
كأن قطعة صغيرة من القاهرة أو الصعيد قررت أن تسافر إلى أمريكا، لبضعة أيام فقط.
ثم تعود محملة بالحنين.
المشهد يبدو رياضيًا في ظاهره.
لكنه أكبر من ذلك بكثير.
هؤلاء يعيشون في دول أخرى.
كثير منهم حقق نجاحًا مهنيًا واجتماعيًا يحلم به ملايين الناس.
يعيشون في بيئات أكثر استقرارًا ومساواة، ووسط مساحات أوسع من الحقوق والحريات.
ومع ذلك، ما زال هناك خيط لا ينقطع يشدهم إلى الوطن الأول.
إلى البلد التي خرجوا منها.
أو خرج منها آباؤهم وأمهاتهم.
البلد التي ما زالت تسكن القلب مهما ابتعدت المسافات.
لهذا لا أتعامل مع تلك المدرجات باعتبارها مجرد جمهور لكرة القدم.
بل باعتبارها استفتاءً عاطفيًا متجددًا على فكرة الانتماء.
فالإنسان يمكن أن يغير مكان إقامته.
ويمكن أن يحصل على جنسية أخرى.
ويمكن أن ينجح في بلد آخر.
لكن الوطن يظل شيئًا مختلفًا.
شيئًا لا يخضع للحسابات العقلية فقط.
بل للقلب والمشاعر أيضًا.
وربما لهذا السبب بالذات تبدو أمنيات هؤلاء المصريين متشابهة رغم اختلاف ظروفهم.
لا أظن أن أحدًا منهم يتمنى لمصر إلا الخير.
ولا أظن أن أحدًا منهم لا يحلم بأن تصبح أكثر حرية.
أكثر عدالة.
أكثر احترامًا لكرامة مواطنيها.
بلدًا يستطيع أن يعود إليها إن أراد.
أو على الأقل يطمئن إلى أن أبناءه وأحفاده يستطيعون العيش فيها يومًا ما حياة كريمة وآمنة ولائقة.
هذه ليست رومانسية زائدة.
ولا قراءة سياسية لبطولة كرة قدم.
إنها ملاحظات إنسانية بسيطة.
فكل تلك الأعلام التي ترفرف في أمريكا وكندا تقول شيئًا واحدًا.
أن المسافة لم تنجح في قطع العلاقة.
وأن الوطن، رغم كل شيء، يبقى حاضرًا.
في القلب أولًا.
ثم في المدرجات.