كتب- إسلام مهدي:
بعد أكثر من أربعين عامًا على صدور أول ألبوماته، لا يزال عمرو دياب يتصدر المشهد الغنائي العربي. تبدلت الأجيال، وتغيرت وسائل الاستماع، واختفت أسماء كثيرة، بينما ظل هو حاضرًا، يجدد أدواته ويطور موسيقاه ويبحث عن صوت المستقبل دون أن يفقد هويته.
نجح عمرو دياب في بناء مدرسة موسيقية خاصة به. تقوم على المزج بين روح الأغنية المصرية والإيقاعات العالمية. ليصبح اسمه مرتبطًا بالتجديد الدائم، ويستحق عن جدارة لقب “الهضبة”. وهو اللقب الذي التصق به بعدما أثبت أن الزمن قد يغيّر كل شيء، لكنه لم ينجح في إبعاده عن الصدارة.
بدأ عمرو دياب مشوارة الفني عام 1983 بألبوم “يا طريق”، لكن البعض يراه قد ضل طريقه مؤخرا، حتى أن الكثير من المتابعين والنقاد أكدوا على أن الألبوم الاخير، الذي صدر قبل أيام، ربما يكون بداية النهاية للهضبة.
حيث ذكر بعض النقاد أن أغنيات الألبوم الجديد تحتوي على الكثير من السطحية، لا سيما في الكلمات. مثل أغنية “الألوان” و”12 بلليل” اللتان كتبهما الشاعر الغنائي مصطفى حدوته. ووصف بعض النقاد اختيار عمرو دياب لتلك الاغاني “هبوطا لا يليق بتاريخه”. وعاب البعض الآخر على الألبوم كونه “معلبا”، يعبر عن تركيبة قديمة ومجربة، دون المغامرة بطرح أفكار موسيقية جديدة، أو بذل المزيد من الجهد في انتقاء الكلمات.
ويرى بعض المتخصصين أن عمرو دياب استند في آخر أعماله إلى قوة اسمه وتاريخه. ما جعله يصرف نظر عن الحس الانتقائي الذي طالما اشتهرت به البوماته، سواء على مستوى الكلمات أو الالحان أو التوزيع.
في حين يرى آخرون أن تأثير الزمن والتعود على أغاني الهضبة يحتاج لفترة من الاستماع المتكرر حتى يعتاد الجمهور على النوعية المختلفة التي يقدمها في ألبومه الأخير.
النشأة والبدايات
وُلد عمرو عبد الباسط عبد العزيز دياب في 11 أكتوبر 1961 بمدينة بورسعيد، ونشأ في أسرة شجعت موهبته منذ الصغر. وكان أول ظهور علني له وهو في السادسة من عمره عندما غنى النشيد الوطني خلال احتفال رسمي، فنال إعجاب الحاضرين، وأهداه محافظ بورسعيد جيتارًا، لتكون تلك اللحظة بداية علاقة استثنائية مع الموسيقى.
انتقل بعد ذلك إلى القاهرة ليدرس في المعهد العالي للموسيقى العربية، والذي تخرج فيه عام 1986، لكنه كان قد بدأ بالفعل خطواته الاحترافية قبل التخرج، عندما أصدر أول ألبوماته “يا طريق” عام 1983، الذي قدم من خلاله صوتًا مختلفًا يحمل ملامح جيل جديد.
شهد النصف الثاني من الثمانينيات صدور مجموعة من الألبومات التي صنعت شخصية عمرو دياب الفنية، مثل “غني من قلبك”، و”هلا هلا”، و”خالصين”، قبل أن يأتي ألبوم “ميال” عام 1988 ليشكل نقطة التحول الكبرى في شعبيته داخل مصر والعالم العربي.
في تلك الفترة بدأ المستمع يلاحظ أسلوبًا مختلفًا في اختيار الألحان والإيقاعات، وهو ما مهد لولادة المشروع الموسيقي الذي سيصبح لاحقًا علامة فارقة في تاريخ الأغنية العربية.
الإنطلاق نحو العالمية
دخل عمرو دياب التسعينيات ممتلكا قاعدة جماهيرية واسعة، لكن مرحلة النجومية الحقيقية بدأت مع ألبومات مثل “حبيبي”، و”أيامنا”، و”ويلوموني”، ثم “راجعين”، قبل أن يحقق عام 1996 الانفجار الفني الأكبر في مسيرته بإصدار ألبوم “نور العين”.
لم يكن “نور العين” مجرد ألبوم ناجح، بل كان نقطة تحول في الموسيقى العربية؛ إذ تجاوز نجاحه حدود المنطقة العربية. وانتشرت أغنيته الرئيسية بأوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا. وأُعيد توزيعها وغناؤها بلغات مختلفة، ليصبح عمرو دياب أول مطرب عربي يصل بهذا الشكل إلى جمهور عالمي واسع.
هنا أدرك عمرو دياب أن الأغنية العربية بحاجة إلى التطوير دون التخلي عن هويتها. فقدم مزيجًا يجمع بين المقامات الشرقية والإيقاعات الغربية واللاتينية واليونانية والإسبانية. فيما أصبح يُعرف لاحقًا باسم “موسيقى البحر المتوسط”.
هذا الأسلوب لم يمنحه فقط شخصية موسيقية مستقلة، بل فتح الباب أمام أجيال كاملة من المطربين والملحنين لتبني هذا الاتجاه، حتى أصبح أحد أهم المؤثرين في تطور الأغنية العربية الحديثة.
مع بداية الألفية الجديدة، كان كثيرون يتوقعون تراجع نجوميته، لكن عمرو دياب فعل العكس تمامًا.
أطلق ألبومات “تملي معاك”، و”أكتر واحد”، و”علم قلبي”. ثم “ليلي نهاري”، و”كمل كلامك”، و”الليلة دي”، و”وياه”، و”بناديك تعالى”، و”الليلة”، و”شفت الأيام”. ثم واصل رحلته مع “أحلى وأحلى”، و”معدي الناس”، و”كل حياتي”، و”أنا غير”، و”سهران”، و”يا أنا يا لأ”، و”مكانك”.
في كل مرحلة كان يقدم صوتًا جديدًا، وتوزيعًا موسيقيًا مختلفًا، ويتعاون مع أجيال متعاقبة من الشعراء والملحنين والموزعين. وهو ما حافظ على حضوره بين جمهور الشباب رغم مرور أكثر من أربعة عقود على بدايته.
عرفت حفلات عمرو دياب بأنها من أكبر الحفلات الجماهيرية في الوطن العربي. إذ امتلأت بها المسارح والشواطئ والساحات في مصر والخليج وأوروبا. وتحولت حفلاته الصيفية إلى تقليد سنوي ينتظره الجمهور.
كما استطاع أن يحافظ على صورة النجم الذي يقدم عرضًا متكاملًا يجمع بين الأداء الحي، والاستعراض، والتفاعل مع الجمهور.
السينما في حياته
رغم أن الغناء كان مشروعه الأساسي، فإن عمرو دياب خاض تجربة التمثيل في عدد من الأفلام، أبرزها “العفاريت”، و”آيس كريم في جليم”، و”ضحك ولعب وجد وحب”، لكنه اختار لاحقًا التركيز على الغناء، ليصبح واحدًا من أكثر الفنانين تخصصًا في مجاله.
على مدار مسيرته، حصد عمرو دياب عشرات الجوائز المحلية والدولية، أبرزها جوائز World Music Awards، التي حصل عليها 7مرات. وهو رقم قياسي لفنان عربي. كما أصبح أكثر مطرب شرق أوسطي يفوز بجائزة أفضل فنان من حيث المبيعات بعد فوزه بهذه الفئة 4 مرات. كما دخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية، وأصبح أول فنان عربي تتصدر عدة ألبومات له قوائم Billboard العالمية. فضلًا عن تحقيق مليارات مرات الاستماع عبر المنصات الرقمية.
بعيدًا عن الأضواء، عرف عمرو دياب بحرصه على خصوصية حياته الشخصية. واكتفى على مدار سنوات طويلة بأن يتحدث عنه فنه أكثر مما تتحدث تصريحاته. ما ساهم في بناء صورة النجم الذي يترك أعماله تتصدر المشهد بدلًا من الجدل الإعلامي.
هناك فنانون يحققون النجاح، وهناك فنانون يصنعون التاريخ، لكن قلة قليلة فقط تستطيع أن تعيد تعريف مفهوم النجومية جيلاً بعد جيل. وفي مقدمة هذه الفئة يأتي عمرو دياب، الفنان الذي لم يكتفِ بالوصول إلى القمة، بل جعل البقاء عليها مشروعًا مستمرًا لأكثر من أربعين عامًا، حتى تحول إلى ظاهرة فنية عربية يصعب تكرارها.
وربما لهذا السبب لم يعد لقب “الهضبة” مجرد اسم يطلق على مطرب، بل أصبح وصفًا لمسيرة فنية استثنائية أثبتت أن النجومية الحقيقية ليست الوصول إلى القمة، وإنما القدرة على البقاء فوقها عامًا بعد عام.