سألني يوما سائل عن سبب بُعدي عن الأضواء في بلاط صاحبة الجلالة رغم أنني – بحسب قوله – أملكُ أدوات الكاتب الجيِّد من حُسن العبارة، وجودة السبك، وسلامة اللغة، والقدرةِ على التعبير، وغيرِ ذلك من صفاتٍ، لا أودُّ الاستطراد في ذكرها؛ لكيلا يُظنّ أنَّه مدحٌ للذات من طَرْفٍ خفي. فأجبتُه بأنّه يُسْأَل عن ذلك غيري من ذوي القرار، الذين صاروا ـ بحق أو بغير حق ـ فاعلا في الجملة، طبعا لا أقصدُ الجملة الفعلية أو الاسمية، بل أقصدُ جملةَ صناعة الأحداث بالمؤسسات الصحفية، بينما أمسينا نحن مُجرد مفعولٍ به، أو معه أو فيه، ولن نصل أبدا لدرجة المفعول لأجله؛ لأننا لسنا على (المعدة)، ولا ضير فهذه مفخرة!
وليستْ الصحافةُ وحدها، هي ما تُعاني تلك الأزمة، أو قل الطّامة ـ طامة الاستعانة بذوي الولاء، وليس الخبرة ـ والتي يشيبُ لها الولدان، وتضعُ بسببها كلُّ ذات حمل حملها. بل هي أزمةُ معظم ـ إن لم يكن ـ كلِّ مؤسسات ومصالح مصرنا المحروسة.
إذ صار مسوِّغُ الاختيار أن يكون المُختَارُ من ذوي الولاء، وليس الكفاءة، حتى وإن هوتْ الدولةُ إلى أسفل سافلين!
وكان من توابع ذلك المنهج الفاسد أنّنا صرنا نرى على رأس المؤسسة أو المصلحة مسئولا شهاداته محل نظر، وآخرَ مرتشيا، وثالثا عرف من أين تُؤكَلُ الكتف، فركب الموجة؛ ليصل إلى برِّ الأمان، وامتطى صهوة جواده؛ لينال مراده، وانطلق كالسّهم من الرّميَّة، يصنع لنفسه ثروة ومجدا، لم يكن يحلم به هو ولا أبوه وأمه، ولسان حاله: {إنما أوتيتُه على علمٍ عندي}.
ونتيجة ذلك كله، ألفينا سقوطا مدويا على كلّ الأصعدة.
ففي الرياضة ما زال يُطاردنا «صفرُ المونديال»، والدليل الحضورُ غير المشرف في دولة الألعاب الأولميبية الأخيرة بفرنسا، التي سيطرت على مشاركات اللاعبين فيها مجاملاتٌ رخيصة، من مظاهرها مشاركةُ لاعبة حامل في الشهر السابع، وقطعا هناك آخر عنده تمزُّق عضلي، وثالثٌ يُعاني عِرق النَّسا، ورابع يُعاني من (اللومباجو)، وهلمّ جرّا، ومن ثم صار الفوزُ بميدالية من صفيح أمنية بعيدة المنال، لن نراها حتي يلج الجملُ في سمَّ الخِياط، أو يخرج «العِجلُ من بطن أبيه!» .
وفي الفنّ، انسحق الفنُّ الراقي أمام الأصوات النشاز، ومناظر العري، والإباحية، التي تدعمها الشللية والواسطة، ولا عزاء للمُعترضين، حتى وإنْ ماتوا بغيظهم!
وفي الإعلام، صرنا نجد مذيعا ألثغ، ومذيعة بكماء، وثالثا يعاني التأتأة، ورابعا لا يكفُّ عن الجعجعة، والصوت العالي، ونسي أنَّ أنكرَ الأصوات صوتُ الحمير، وخامسا أحول، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسادسا لا يفقه شيئا عن القضية موضوع المناقشة، ورغما عن هذا تسبق اسمه أوصافٌ فخمة ضخمة، مثل المفكٌر، والكاتب، والمنظّر، وخلافه!
حتي المؤسسات الدينية، لم تسلم من «سوس» الخراب، ودابةِ الأرض، التي أكلتْ مناسئها، فظهر فيها متنطعون، يبحثون عن الشاذ والاستثناء، ويريدون جعله أصلا، وهو ما يضربُ الدين في مقتل، ويُثير البلبلة والفتن بين العوام!
وأخيرا أقول: إننا لو قارنّا أنفسنا بأجيال مضت، سنجد أنّ الفارقَ بيننا وبينهم، يكمن في الانتماء، والعمل من أجل رفعة الوطن، والإخلاص للهدف؛ لذا استحقُّوا ـ عن جدارة ـ وصف الجيل الذهبي، الذي تسلّح بالقراءة والاطلاع والتحصيل، بينما سقطنا نحن في بئر الثرثرة الفارغة، والمجاملات الرخيصة، وادعاء المعرفة الممجوج، فتسوّر المحراب قطّاعُ طرق، وشيوخ مَنصر، و(فهلويّة)، وأولاد ليل، ولك الله يا مصر.