في كل مرة تعلن فيها الحكومة تحقيق «فائض أولي» أو تسجيل مؤشرات مالية إيجابية، يتساءل كثير من المواطنين: إذا كانت الأرقام تتحسن، فلماذا لا تزال فاتورة الحياة اليومية تثقل كاهل الأسر؟ ولماذا تتزايد الضغوط مع كل زيادة في أسعار السلع والخدمات؟ وبين لغة المؤشرات الاقتصادية التي تتحدث عن نجاحات في إدارة المالية العامة، وواقع المعيشة الذي يفرض تحديات متصاعدة على محدودي ومتوسطي الدخل، تتكشف معادلة معقدة، عنوانها أن تحقيق الفائض الأولي لا يعني بالضرورة تحسنًا فوريًا في حياة المواطن، خاصة مع استمرار فوائد الديون في استنزاف الجزء الأكبر من إيرادات الدولة، وتواصل الضغوط التضخمية التي تلتهم القدرة الشرائية.
فكيف يقرأ الخبراء هذه المعادلة؟ وهل يمكن أن تنعكس مؤشرات الموازنة الإيجابية على حياة المصريين في المستقبل القريب؟
حقيقة الفائض الأولي وعبء خدمة الدين
يرى الدكتور إبراهيم مصطفى، الخبير الاقتصادي والاستثماري، أن الفائض الأولي يظل إيجابيا، لكنه لا يعكس الصورة الكاملة، لأنه لا يأخذ في الاعتبار فوائد الدين ذات القيم الكبيرة، إذ تشكل خدمة الدين (الفوائد والأقساط) ضغطا هائلا، بارتفاع قدره 19.2% مقارنة بالفترات السابقة، تزامنا مع وصول رصيد الدين الخارجي لمصر إلى نحو 164.78 مليار دولار بنهاية الربع الأول من عام 2026، وسط استحقاقات مالية خارجية ضخمة تتراوح بين 38 مليار دولار وأكثر من 50 مليار دولار حتى منتصف ونهاية عام 2026.
تداعيات التضخم وعبء المعيشة
يؤكد «مصطفى» في تصريحات خاصة لـ«القصة» أن ازدياد الأعباء المعيشية، ورفع أسعار المرافق، وتزايد آثار الضغوط التضخمية، تؤثر بشكل مباشر في حياة المواطن، وهو ما يضع ضغوطا متزايدة على تفاصيل الحياة اليومية للأسر المصرية، التي باتت تواجه تحديات غير مسبوقة في تلبية احتياجاتها الأساسية.
جهود الحماية الاجتماعية ومحدودية تأثيرها
كما يشير إلى أن الدولة تسعى، من ناحية أخرى، من خلال برامج الحماية الاجتماعية، إلى التخفيف من تلك الضغوط على المواطن محدود الدخل، إلا أن هذه البرامج وحدها لن تعالج الأثر الكلي للزيادات والضغوط التضخمية المتلاحقة التي تشهدها الأسواق.
شمولية الأزمة وضرورة الحلول الجذرية
ويؤكد أن المواطنين من محدودي ومتوسطي الدخل تأثروا من مختلف الجوانب، وهو ما يحتم تبني حلول غير تقليدية تتعامل مع عمق الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على مختلف شرائح المجتمع.
الحلول المقترحة للتعافي الاقتصادي
ويختتم الخبير الاقتصادي والاستثماري بالتأكيد على ضرورة رفع مستويات التشغيل، وتوفير فرص عمل حقيقية، إلى جانب إعادة هيكلة الأجور والدخول بما يواكب معدلات التضخم والزيادات المستمرة في الأسعار، لضمان حياة كريمة للمواطنين وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
الفائض الأولي في الاقتصاد المصري
ومن جانبه، يؤكد محمد عبد الهادي، خبير اقتصاد متخصص في الموازنة العامة، أن تحقيق الدولة المصرية فائضا أوليا بنسبة 4.7% يعد مؤشرا مهما، يعبر عن إجمالي إيرادات الدولة مطروحا منها المصروفات دون احتساب فوائد الديون.
ويوضح عبد الهادي أن هذا الرقم يعني أن الدولة تحقق فائضا قبل سداد فوائد الدين العام، وهو ما يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
دلالة الفائض الأولي على المواطن
يشير خبير الاقتصادي المتخصص في الموازنة العامة في تصريحات خاصة لـ«القصة» إلى أن هذا الفائض الأولي، رغم أهميته الاقتصادية، لا يعبر بالضرورة عن حالة المواطن المصري أو مستوى معيشته، موضحا أن تحقيق هذا المعدل لا يعني وجود انعكاس مباشر وملموس على القدرة المعيشية للمواطن في الوقت الحالي.
ويستعرض عبد الهادي أرقام الموازنة، موضحا أن إيرادات الدولة تقدر بنحو 3.1 تريليون جنيه، بينما بلغت الحصيلة الضريبية 2.208 تريليون جنيه، مع احتمالية ارتفاعها في الموازنة الجديدة إلى 2.65 تريليون جنيه.
ويضيف أن الفائض الأولي المستهدف يقدر بنحو 795 مليار جنيه، بما يعادل 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 24.5 تريليون جنيه، في حين تلتهم فوائد الديون، البالغة 2.42 تريليون جنيه، نحو 80% من إيرادات الدولة.
الحلول والتوصيات المستقبلية
ويختتم الخبير الاقتصادي حديثه بحزمة من التوصيات لمواجهة ضغط فوائد الديون، تتضمن خفض الدعم، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتوسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي، وتسهيل سداد الضرائب.
كما يشدد على أهمية زيادة حصيلة بيع الشركات الحكومية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الصادرات المصرية، للحفاظ على الفائض الأولي المستهدف.