على وقع الاستعدادات العسكرية المتصاعدة لشن ضربة استباقية ضد إيران برعاية ومشاركة أمريكية، تتسع رقعة المخاوف من خروج التوتر عن نطاق الشرق الأوسط واقتحامه الجغرافيا الأوروبية فمع تسريب تهديدات إيرانية باللجوء إلى خيارات ردع نارية تشمل استهداف قواعد ومنشآت تخدم الوجود الأمريكي في دول مثل بلغاريا وقبرص، بات العالم يحبس أنفاسه أمام احتمال تفعيل المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، وانزلاق حلف شمال الأطلسي “الناتو” إلى مواجهة عسكرية كبرى.
بين التلويح بخرق الأمن القومي الأوروبي ومناورات نقل كلفة الحرب إلى العمق الغربي، يبرز السؤال الأكثر حرجاً: هل تمتلك المادة الخامسة أزراراً آلية تدفع الحلف لقتال مفتوح بمجرد قصف منشأة أمريكية في أوروبا، أم أن قواعد الاشتباك محكومة بسيناريوهات “التصعيد التدريجي” واحتساب الضحايا؟
ليست زراً آلياً للحرب
أكد اللواء الدكتور سيد غنيم، في حديثه لـ”القصة”، أن فهم احتمالات انتقال المواجهة إلى أوروبا يوجب التمييز الدقيق بين ثلاثة مسارات: استهداف دولة عضو في الناتو، أو استهداف قاعدة أمريكية على أرض دولة عضو، أو استهداف دولة أوروبية غير عضو بالحلف.
وأوضح غنيم حدود وآلية عمل مبدأ الدفاع الجماعي للحلف، وذلك بأن المادة الخامسة من معاهدة واشنطن ليست زراً آلياً للحرب الشاملة؛ إذ لا تُعطي إعلاناً فورياً للقتال بمجرد سقوط مقذوف على منشأة أمريكية، بل تفرض التشاور بين الأعضاء لتحديد طبيعة الرد الضروري، والذي قد يكون عسكرياً أو محصوراً في أشكال أخرى.
مضيفاً أنه لو قصفت منشأة أمريكية داخل بلغاريا (العضو بالناتو)، سينصب البحث حول طبيعة الهجوم؛ وهل استهدف بلغاريا كدولة أم استهدف القوات الأمريكية بسبب عملياتها، وحجم الخسائر والضحايا، وما إذا كان الهجوم يمثل تهديداً كلياً لأمن أراضي الدولة العضو.
حدود قدرات طهران والحساسية الاستراتيجية لبلغاريا وقبرص
أشار الخبير الاستراتيجي إلى أن إيران تدرك تماماً أن المواجهة المباشرة مع الناتو تختلف عن الصراع مع دولة واحدة، مؤكداً أن طهران تمتلك قدرات صاروخية ومسيرات وشبكات حلفاء تُلحق الضرر وتُكلف خصومها، لكنها لا تمتلك القدرة على خوض حرب تقليدية مفتوحة طويلة المدى ضد أمريكا وحلفائها الأوروبيين.
وأضاف اللواء سيد غنيم موضحاً الأهمية الاستراتيجية للأهداف الأوروبية المطروحة في النقاط التالية:
رسائل الردع الإيرانية: هدف طهران من ضرب منافذ أو منشآت أمريكية في أوروبا هو الردع ورفع تكلفة الحرب عليها لتقليص الضغوط، وليس فتح معركة شاملة مع أوروبا قد توحد الموقف الغربي ضدها.
موقع بلغاريا الحرج: تكمن أهمية بلغاريا في موقعها على البحر الأسود وقربها من مسارح قتالية بالغة الحساسية، وأي رسالة طهران هناك تعني أن مساحة الرد لن تظل محصورة في الشرق الأوسط.
وضع قبرص الخاص: قبرص ليست عضواً بالناتو فلا تنطبق عليها المادة الخامسة، لكنها تمتلك أهمية استراتيجية بشرق المتوسط لوجود قواعد بريطانية حيوية؛ ما يجعل استهدافها خطيراً على صعيد توسيع مسرح العمليات الغربي.
ماذا لو سقط أول قتيل أوروبي؟
أوضح غنيم أن المجال الأوروبي بات جزءاً من حسابات التصعيد دون القول بإن الحرب انتقلت كلياً بحجم المفهوم الميداني الشامل، حذراً من سيناريو “التصعيد التدريجي” غير المخطط له والذي تبدأ فيه الحروب الكبرى بسلسلة خطوات صغيرة متتابعة.
واختتم اللواء سيد غنيم حديثه لـ”القصة” مؤكداً السيناريوهات المستقبلية للرد واختبار المصداقية: تتدرج مستويات التعامل بدءاً من الاحتواء السياسي، ثم تعزيز الدفاعات بنشر المظلات الصاروخية، وصولاً إلى الرد العسكري المحدود، أو التصعيد الشامل حال تكرار الضربات وسقوط قتلى.
مضيفاً بأن اختبار الضحايا والمصداقية، هي الخطورة الحقيقية والتحول النوعي للشرارة لن يحدث بمجرد التهديد، بل عند سقوط أول قتيل نتيجة ضربة لمنشأة عسكرية، مما يصعب الضبط السياسي ويرغم الحكومات الأوروبية والناتو على اتخاذ خيارات قاسية لحماية مصداقية الحلف وأراضيه.