تشهد خريطة التوازنات في الشرق الأوسط إعادة صياغة قسرية عقب المواجهة العسكرية الشاملة مع إيران، حيث تجد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسها في مأزق استراتيجي معقد بعد الانسياق وراء رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فبعد تحالف الطرفين في “حرب الـ 11 يوماً” لإسقاط النظام الإيراني وتدمير منشآته النووية، أفرزت الميدانيات واقعاً جديداً أصبحت فيه طهران تمسك بمقاليد التحكم في مضيق هرمز وتفرض شروطها على حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية؛ مما أوجد تباعداً حاداً بين المصالح الأمريكية والجهات الإسرائيلية عشية استحقاقات انتخابية مفصلية في واشنطن وتل أبيب.
ترامب في فخ مواجهة غير محسوبة
أكد الدكتور حسن نافعة، في حديثه لـ”القصة”، أن ترامب دفع بالانحياز الأمريكي لإسرائيل إلى آفاق غير مسبوقة، حيث انسحب في ولايته الأولى من الاتفاق النووي، ثم ذهب في ولايته الثانية للتحالف مع نتنياهو لشن حرب على إيران يصعب الانتصار فيها وتتجه لنهاية استراتيجية كبرى للولايات المتحدة.
وأوضح الدكتور حسن نافعة كواليس اتخاذ قرار الحرب وتداعياتها الميدانية في النقاط التالية:
تجاهل التحفظات العسكرية
خاض ترامب حرب الـ 11 يوماً لتدمير المنشآت النووية، لكنه انساق وراء نتنياهو في شن حرب شاملة لإسقاط النظام الإيراني خلال جلسة خاصة بغرفة عمليات البيت الأبيض، متجاهلا تحفظات القيادة العسكرية الأمريكية ومستشاريه الذين وصفوا معلومات نتنياهو بـ”الترهات”.
استدراج نتنياهو لترامب
حاول نتنياهو استدراج جميع الرؤساء الأمريكيين طوال ربع قرن للحرب على إيران ولم ينجح إلا مع ترامب في ولايته الثانية عقب “طوفان الأقصى”؛ لهروبه إلى الأمام وتصفية “محور المقاومة” وإقامة “إسرائيل الكبرى” عبر استغلال نرجسية ترامب.
السيطرة الإيرانية على هرمز
لم يسقط النظام الإيراني بل أصبح أقوى، وتمكن من إغلاق مضيق هرمز طوال الحرب وأصبح في وضع يسمح له بالسيطرة عليه في جميع الأوقات والتحكم في أهم الممرات المائية بالعالم.
تضارب المصالح الانتخابية وتجميد مذكرات التفاهم
أشار أستاذ العلوم السياسية لـ”القصة” إلى تحول أهداف ومصالح ترامب لتتناقض مع مصالح نتنياهو مع اقتراب الانتخابات التشريعية لدى الطرفين، حيث اضطر ترامب للتوقيع على “مذكرة تفاهم” تنهي الحرب وتسمح لإيران بإبقاء سيطرتها على هرمز أثناء المفاوضات وتفرج عن أصولها، مما دفع نتنياهو لرفضها وتحريك اللوبي الصهيوني للضغط على ترامب والتحلل منها، ليعود التصعيد العسكري مجدداً.
وأشار إلى أنه يفضل نتنياهو التصعيد على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية لتعزيز فرص ائتلافه في انتخابات الكنيست نهاية أكتوبر، بينما يفضل ترامب التهدئة الشاملة لتجنب طفرة في أسعار البنزين قد تفقد الحزب الجمهوري أغلبيته في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وتؤدي لمحاكمته وعزله.
واختتم حسن نافعة حديثه مؤكداً أن الكيان الصهيوني حقق مصلحة مباشرة من الحرب بينما تحملت واشنطن العبء الاستراتيجي الأكبر وأصبحت في وضع أسوأ بكثير بعجزها عن تحويل تفوقها العسكري لنجاح سياسي، مشيراً إلى ما طرحه المفكر روبرت كاجان بأن الحرب قد تؤدي لإضعاف مكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي بصورة دائمة ودفع دول الخليج لإعادة النظر في اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية.