مع استمرار الحديث عن الإصلاح وضرورة تحمل المواطن تبعاته، بات الأمر أشد قسوة على الشعب، خصوصا في ظل تأثير السياسة المالية على مختلف جوانب الحياة، من الأسعار والخدمات إلى مستوى الدخل والمعيشة. الأمر الذي فتح باب النقاش حول فاتورة الإصلاح والمدى الزمني له، كذلك مسئولية الدولة عن هذا الإصلاح، وضرورة تحقيقه في أقرب وقت، وإشراك المواطنين في نتائجه بما يجعلهم يشعرون بفارق يتساوى مع ما بذلوه من أجل تحقيق هذا الإصلاح.
قال هيثم الحريري، عضو مجلس النواب سابقا، إن الإصلاح الاقتصادي أصبح ضرورة، ولا يوجد خلاف على ذلك، لكن المهم هو شكل الإصلاح الذي نريده، ومن الذي يتحمل تكلفته، ومتى تظهر نتائجه.
وأضاف الحريري، في تصريحات خاصة، أن المواطن أصبح الطرف الأسرع في تحمل تكلفة أي أزمة، سواء من خلال زيادة أسعار الكهرباء والمياه والخدمات والرسوم والإيجارات والسلع، بينما تظل اسئلة مثل كفاءة الإنفاق العام، وترشيد المصروفات، وتقليل الفاقد، ومراجعة المشروعات، وتعظيم العائد من أصول الدولة، وإصلاح الجهاز الإداري، ومحاسبة المسؤول عن القرار الخاطئ، أقل حضورًا.
وأوضح الحريري أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من خفض تكلفة إنتاج الخدمة قبل رفع سعرها، وزيادة الإنتاجية قبل مطالبة المواطن بدفع المزيد. مشيرًا إلى ضرورة تحويل أصول الدولة إلى قيمة اقتصادية حقيقية بدلًا من أن تتحول إلى عبء. وجذب الاستثمار الخاص من خلال قواعد عادلة ومستقرة بدلًا من منافسته. إلى جانب خلق فرص عمل ودخل حقيقي يساعد المواطن على تحمل الإصلاح.
كيفية توزيع تكلفة الإصلاح
وأكد النائب السابق أن السؤال الأهم هو كيفية توزيع تكلفة الإصلاح بعدالة. موضحًا أن هناك فرقًا بين إصلاح يطلب من الجميع التضحية لفترة محددة من أجل بناء اقتصاد أقوى، وبين أن يصبح المواطن هو الحل الدائم لكل أزمة.
وتابع عضو مجلس النواب سابقا أن البرلمان له دور أساسي في هذه المسألة، ولا يقتصر دوره على الموافقة على سياسات الحكومة، وإنما يجب أن يفحص البدائل، ويراجع تكلفة القرارات، ويراقب تنفيذ الموازنة، ويقيس نتائج الإنفاق، ويسائل المسؤولين عن القرارات التي لم تحقق أهدافها. لافتًا إلى أن المطلوب ليس حكومة لا تخطئ، لأن ذلك غير واقعي، وإنما حكومة ونظام سياسي يتعلم من أخطائه.
وأشار الحريري إلى أن كل قرار اقتصادي يجب أن تكون له أهداف واضحة، ومؤشرات لقياس النجاح، ومراجعة دورية، مع وجود مسؤولية سياسية وإدارية عن النتائج. مؤكدا أن المواطن المصري يستطيع أن يتحمل الكثير من أجل بلده، لكنه يحتاج للشعور بأن ما يدفعه اليوم يتحول إلى إنتاج وفرص عمل وخدمات أفضل ودخل أعلى غدًا، وليس مجرد تغطية لعجز يتكرر كل عام.
واختتم الحريري حديثه بالتأكيد على أن الإصلاح الحقيقي ليس مطالبة المواطن بأن يتحمل أكثر، وإنما أن تصبح الدولة أكثر كفاءة، والاقتصاد أكثر إنتاجًا، والإنفاق أكثر انضباطًا، والمساءلة أكثر جدية، حتى تكون تكلفة الإصلاح أقل، وعائده أكبر، وعدالته أوضح.
تقديرات خط الفقر الشهري للأسرة
في أبريل 2026، أشارت تقديرات حقوقية واقتصادية محلية إلى أن خط الفقر الشهري للأسرة ارتفع متأثراً بمعدلات التضخم ليصل إلى نحو 8,964 جنيهًا للأسرة شهريا. بينما خط الفقر المدقع المقدر (مقوم بالتضخم) يبلغ 6,500 جنيه شهريًا للأسرة، وهو الحد الأدنى لتغطية الغذاء والشراب فقط للبقاء على قيد الحياة.
الإصلاح وسياسات الحكومة
في نفس السياق، قال زهدي الشامي، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، إن ما يُسمى بالإصلاح الاقتصادي ليس إصلاحًا من الأساس. معتبرًا أن هناك نهجًا حكوميًا مستمرًا منذ أكثر من 10 سنوات يقوم على الاستدانة والخضوع لصندوق النقد الدولي. ما يزيد من إفقار المصريين.
وأضاف الشامي، في تصريحات خاصة، أن السياسات التي تتبعها الحكومة، من وجهة نظره، أدت إلى مزيد من الإفقار، من خلال التعويم وإلغاء الدعم ورفع الأسعار، إلى جانب الاعتماد على الاستدانة والتوسع في قطاع العقارات. موضحًا أن الوعود السابقة لم تؤدِ إلى تحقيق نهوض اقتصادي. ومشيرًا إلى أن الخطة التي بدأت مع صندوق النقد الدولي في 2016 كانت لمدة 3 سنوات حتى 2019، قبل أن تتكرر عمليات التمديد والدخول في أزمات جديدة.
وتابع الشامي أن وصف هذه السياسات بأنها “إصلاح” غير صحيح. لافتًا إلى أن ما يحدث هو نهج يؤدي إلى مزيد من الإفساد، من خلال الخصخصة وبيع أصول الدولة لسداد الديون. مشيرا إلى أن بيع عدد من أصول الدولة، ومن بينها رأس الحكمة ورأس الضبعة، يعتبر بيعا متتابعا، قائلًا: “مصر تُباع قطعة قطعة”.
وأضاف أن الوضع الحالي لا يشير إلى وجود نية لمراجعة الأزمة أو قدرة المواطنين على تحمل المزيد. مؤكدًا أن الناس وصلت إلى مرحلة لم تعد لديها فيها قدرة على تحمل الأعباء.
كما توقع الشامي مزيدًا من ارتفاع الأسعار، مع احتمال حدوث تعويم جديد أو خفض آخر لقيمة الجنيه. مشيرًا إلى أن سعر الدولار الذي تجاوز 50 جنيهًا، بعد تصريحات سابقة بعدم الوصول إلى هذا الرقم، قد يتجاوز هذا الحد مرة أخرى.
قرارات الإصلاح ومحاسبة المسئولين
وانتقل الشامي للحديث عن اتساع الفجوة الطبقية في مصر، مشيرًا إلى وجود شريحة محدودة من أصحاب الثروات، إلى جانب أثرياء من الخارج وعرب، وقال إن الأثرياء أصبحوا يعيشون في مناطق منفصلة بعيدًا عن باقي المجتمع. وأن الفقراء لا يستطيعون تحمل ظروف المعيشة في مناطقهم القديمة. مضيفا أن هناك توجهًا لإعادة تشكيل أجزاء واسعة من القاهرة، بما فيها وسط البلد ومناطق أخرى، لصالح السكان الجدد والمستثمرين والعرب، بينما يتم نقل السكان إلى أماكن بعيدة لا تتوافر فيها المرافق أو فرص العمل أو مصادر الرزق.
وعن سبب عدم تحمل المسؤولين الذين يتخذون القرارات الخاطئة تبعات قراراتهم، قال الشامي إن مصر لا توجد بها وسيلة حقيقية للمحاسبة أو التغيير السلمي.
وأوضح أن الترسانة القانونية المحكمة، ومجلس الشعب الـ”طيع”، لا يوفران وسيلة حقيقية للمحاسبة. مشيرًا إلى مشاركة التضييق على حرية التعبير والتنظيم والتجمع والنقابات والحركة الاجتماعية في تفاقم الوضع.
وانتقد الشامي الحديث عن عقد مؤتمر لعرض إنجازات الحكومة، موضحا أن هذا المؤتمر سيكون مجرد مناسبة يجلس فيها الحاضرون للاستماع إلى الحكومة التي بات لزاما عليها الرحيل.