في المشهد السياسي المصري اليوم، لا يزال الجيل الأكبر سنًا هو الأكثر حضورًا في مواقع القيادة داخل الأحزاب السياسية، في وقت تضم فيه الأحزاب كوادر شابة إلى جانب جيل الوسط، الذي برز سياسيًا على مدار سنوات طويلة، وخاض أفراده معارك سياسية وشعبية متعددة، وكانوا من أبرز المشاركين في الحراك الذي شهدته مصر وصولًا إلى ثورة 25 يناير.
ورغم امتلاك هذا الجيل خبرات سياسية وتنظيمية تراكمت على مدار سنوات، لا يزال حضوره في المناصب القيادية العليا، وعلى رأسها رئاسة الأحزاب، محدودًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب استمرار هذا المشهد: هل تعود إلى طبيعة التنظيم الداخلي للأحزاب وآليات اختيار قياداتها، أم أنها نتيجة لواقع أوسع يفرض نفسه على الحياة السياسية المصرية؟
ويرى المهندس أحمد بهاء شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، إن غياب جيل الوسط عن رئاسة الأحزاب لا يتعلق بوجود سباق بين الأجيال أو خلاف بينها، موضحًا أن العمل العام تحديدا شيئا وطنيا، تجربة متكاملة ترتبط فيها الأجيال ببعضها البعض، مشبها الأمر بسباق الماراثون، حيث يحمل كل متسابق العلم لفترة ثم يسلمه إلى المتسابق التالي ليواصل المسيرة.
وأضاف شعبان لـ “القصة” أن السبب الأبرز وراء غياب جيل الوسط عن المشهد السياسي هو الأزمة السياسية التي تعيشها مصر، معتبرًا أنه لا حياة حزبية حقيقية مع غياب للديمقراطية وقمعًا واضحًا، مشيرًا إلى أن ثورة يناير شهدت إقبالًا واسعًا من الشباب على العمل العام، قبل أن تؤدي الضغوط التي تعرضوا لها إلى ابتعاد جانب كبير من الجيل الذي يوصف حاليًا بجيل الوسط عن المشاركة السياسية وتحمل المسؤولية.
وأوضح شعبان أن الضغوط التي تعرض لها الشباب خلال السنوات الماضية، وما ترتب عليها من سجن وضياع سنوات من الدراسة والعمل والحياة، دفعت قطاعًا منهم إلى عدم المغامرة أو تحمل المسؤولية، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يوجد قانون أو قرار يمنع جيل الوسط أو الشباب من العمل العام، بل إن الأحزاب، بحسب رؤيته، مطالبة بتجديد دمائها وفتح أبوابها أمام الأجيال الجديدة.
وأشار شعبان إلى أن جزءًا من المسؤولية تتحمله بعض الأحزاب السياسية بسبب ممارساتها التي لا تلقى ترحيبًا من جيل الوسط، لكنه في المقابل يرى أن هذا الجيل نفسه في أحيان كثيرة عازف عن العمل العام، ولا يمتلك القناعة أو الاستعداد لخوض التجربة، لافتًا إلى أن بعض الشباب الذين حاولوا الاقتراب من العمل السياسي دفعوا تمنها غاليًا من خلال السجن وضياع سنوات من حياتهم.
وأضاف أن الظروف الاقتصادية تمثل عاملًا آخر في ابتعاد جيل الوسط عن العمل السياسي، موضحًا أن هذا الجيل يعاني الآن معاناة هائلة لحل مشكلات الحياة اليومية المادية، في ظل صعوبة التوظيف والاستقرار وتكوين أسرة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف السكن وتربية الأبناء والتعليم.
ولفت رئيس الحزب الاشتراكي المصري إلى أن القمع وغياب الحريات وسوء الفهم بين الأطراف والأزمة الاقتصادية شكلت مجتمعة أسبابًا دفعت جيل الوسط إلى الابتعاد عن العمل العام، لكنه أكد أن الأبواب لا تزال مفتوحة أمام الشباب، مشيرًا إلى أن الحركة المدنية شهدت خلال الفترة الأخيرة محاولات لفتح المجال أمامهم.
وأكد شعبان أنه يتمنى أن يقود الشباب الحزب الاشتراكي المصري مستقبلًا، قائلًا: “أتمنى إن يقود الشباب الحزب الاشتراكي ويحققوا فيه كل ما ينبغي تحقيقه من تلاحم وعطاء للأمة والوطن”.
وحول مدى كفاية لجان وأمانات الشباب داخل الأحزاب لتمكين الشباب سياسيًا، شدد شعبان على أن المسألة، خاصة داخل أحزاب المعارضة، ليست مسائل بيروقراطية، وإنما تتعلق بظروف وقيود وتكاليف مرتفعة يتحملها المقبلون على العمل العام، مشيرًا إلى أن التعبير عن الرأي أو المشاركة السياسية قد يترتب عليه التعرض للسجن، مستشهدًا بزملاء له تعرضوا للحبس على خلفية رفع علم فلسطين أو الهتاف لها.
وأكد أحمد بهاء شعبان على أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمناصب أو الهياكل التنظيمية، وإنما بحجم العبء والمسؤولية والتكلفة التي يتحملها من يدخل مجال العمل العام، مؤكدًا استعداده لتمكين الشباب داخل الحياة الحزبية المعارضة.
وفي السياق ذاته، قال المهندس طلعت فهمي، إن جيل الوسط، إلى جانب جزء كبير من الشباب، مظلومين، مؤكدًا أن جيل الوسط كان من المفترض أن يتولى قيادة العمل السياسي في الوقت الحالي، باعتبار أن أفراده كانوا شبابًا خلال ثورة 25 يناير، وأصبحوا اليوم أكثر نضجًا، وكان من المفترض أن يتولوا مواقع القيادة داخل الأحزاب وفي مختلف مواقع العمل السياسي.
وأوضح فهمي لـ “القصة” أن الظروف الأمنية المشددة التي أدت إلى إغلاق المجال العام ساهمت في تقييد حرية حركة المواطنين وحرية الكلام والتعبير، معتبرًا أن هذا التضييق أدى إلى تلاشي المناخ الذي يشجع جيل الوسط والشباب على التقدم من تلقاء أنفسهم لتولي مواقع القيادة في العمل السياسي.
وأضاف فهمي أن الظروف الاقتصادية القاسية تمثل عاملًا آخر في ابتعاد جيل الوسط عن العمل السياسي، موضحًا أن هذا الجيل أصبح في مرحلة الزواج وتربية الأبناء، وبالتالي فإن الأعباء والمسؤوليات الاقتصادية تمثل ضغطًا إضافيًا عليه، خاصة في ظل اعتبار العمل السياسي حاليًا عمل خطر وفقا لوصفه، وما قد يترتب عليه من اعتقال أو إيذاء أو حتى تأثيره على مصدر الرزق.
وأشار فهمي إلى أن الشخص الذي يتعرض للاعتقال أو الإيذاء بسبب نشاطه السياسي قد يواجه صعوبات حتى بعد خروجه، قائلًا إنه إن دخل شوية وخرج وثبتت نفت عنه كل التهم بيجد صعوبات في إعادة التعايش في الحياة أو استعادة عمله، معتبرًا أن هذه الظروف تمثل ظروف قهرية ومانعة تحول دون تقدم قطاعات من الشباب وجيل الوسط في الحركة السياسية والمجال العام بشكل عام.
وحول استمرار كبار السن في قيادة معظم الأحزاب، أكد فهمي أن الأمر لا يمثل، من وجهة نظره، «وع من الاحتكار ولا نوع من الاختيار، وإنما هو واقع فرضته الظروف، موضحًا أن المسؤوليات بالنسبة للقيادات الأكبر سنًا تكون قد خفت نسبيًا، بينما يستطيعون تحمل المخاطر المرتبطة بالعمل السياسي بدرجة أكبر، في حين تكون الأجيال الأصغر سنًا أمام مسؤوليات تأسيس حياتها وتكوين أسرها، وهو ما يجعلها أكثر ترددًا في تحمل هذه المخاطر.
وعن دور أمانات ومكاتب الشباب داخل الأحزاب، قال فهمي إنها تمثل محاولة لكسر حواجز الخوف والتردد” المحيطة بالشباب، من خلال دعمهم وتقوية قدراتهم ومحاولة تأمين حركتهم السياسية عبر زيادة الوعي، بما يساعد على ألا يعرض سلوكهم أو أداؤهم السياسي حياتهم لمزيد من المخاطر.
وأكد أن أمانات الشباب تبذل جهودًا في هذا الإطار، لكنه أشار إلى أن أعدادها تظل محدودة، وكذلك الحال بالنسبة للعمل الحزبي بشكل عام، موضحًا أن عدد الأرضيات النشطة والفعالة داخل الأحزاب محدود، معتبرًا أن ذلك شيء فرض علينا وليس اختيار» في ظل الظروف الحالية.