تعيش عائلات سجناء الرأي معاناة كبيرة، حيث ألم الظلم، ومرارة الانتظار، وعشرات المواقف التي لا تُنسى. تختلف حياتهم كثيرا عن تلك الحياة الطبيعية التي يحياها غيرهم. فاختطاف السجن أحبابهم فرض عليهم أسلوبا مختلفا للمعيشة، تغلب عليه المشاعر المعلقة بالغائبين خلف أسوار السجون. أمهات يفتقدن أبناءهن، وزوجات ينتظرن أزواجهن، وأشقاء بددت الوحشة حياتهم، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم. تدور حياتهم جميعا في فلك الانتظار والاستعداد للزيارة، ثم العودة منها إلى انتظار جديد.
حتى تلك الزيارة لا تخلو من الألم. فأمام بوابات السجون يقف العشرات، طوابير تصطف، ومجموعات تلتف حول بعضها، الجميع ينتظر لحظة بذلوا الكثير من أجلها، البعض يجلس في ساحة السجن، والبعض الآخر في الشارع أمام الباب، كلٌ ينتظر دوره، حيث لقاء الغائبين الذين يفقدون أعمارهم وتموت أحلامهم أو تتأجل لأجل غير مسمى، دون سبب يذكر.
كل فرد من أهالي سجناء الرأي يحمل ذكرى لا تنسى، أو موقفا إنسانيا خرج من رحم المعاناة التي يقبعون فيها. “القصة” ينقل لكم بعض من تلك المواقف التي تركت أثرا في النفوس، من خمس أُسر من أهالي السجناء. ما بين تجارب البُعد، وبين ثنائية الانتظار والزيارة. حيث يفتح الأهل قلوبهم، للتنفيس عن بعض ما يشعرون به من جراء تلك التجارب، ومن الانتظار المرير الذي لا يعلم أي منهم متى ينتهي، ليتحقق حلمهم في حياة – فقط – كالحياة.
ابنة حيدر قنديل.. البحث عن الأب في كل الوجوه
يروي أحد أقارب الصحفي حيدر قنديل جانبًا من المعاناة التي تحياها أسرته خلال فترة حبسه، مشيرًا إلى أن الزيارة تمثل واحدة من أكثر التجارب صعوبة بالنسبة لهم، إذ يقول إنهم يتعاملون بشكل مختلف عن باقي الزائرين، دون أن يعرفوا سببًا واضحًا لذلك.
ويقول إن الانتظار يكون أطول من المعتاد، إذ يتم الاحتفاظ ببطاقات الزائرين لفترة طويلة، بينما لا يحدث الأمر نفسه مع باقي الأهالي.
ويضيف لـ”القصة” أن الزيارة تكون فردية تمامًا، ولا يتم وضعهم مع زائرين آخرين، كما يضطرون للانتظار لفترة طويلة قبل الدخول، مشيرًا إلى أن مدة الزيارة كانت في البداية أقل من المعتاد، قبل أن تصبح نصف ساعة.
ويصف قريب حيدر مسألة الانتظار وتسليم البطاقات بأنها “أغرب حاجة بالنسبة لنا”. مؤكدًا أن إجراءات الزيارة من الداخل والتفتيش لا تمثل بالنسبة لهم المشكلة الأساسية. وإنما المعاناة الأكبر تكمن في الانتظار الطويل قبل الدخول.
أما عن تأثير غياب حيدر على أسرته، فيوضح أن أبناءه متأثرون بشدة، مشيرًا إلى ابنته الصغيرة، التي لم تكمل عامها الخامس بعد، و لا تفهم سبب غياب والدها، وتريد الذهاب إليه بنفسها، حتى إنها عندما تركب أي وسيلة مواصلات تقول إنها ستستقلها وتذهب إلى والدها.
ويضيف أن الأسرة تحاول تعويض غياب حيدر عنها بطرق مختلفة، إذ يطلبون منها الاتصال به، وأحيانًا يجعلون عمها يتحدث معها وكأنه والدها، واصفًا الوضع بأنه “مأساوي”.
وعن شقيقها الأكبر، يقول قريب قنديل أنه أصبح يفهم الوضع إلى حد ما ويستطيع تحمله. بينما لا تزال الطفلة الصغيرة غير قادرة على فهم سبب غياب والدها.