السلطة تتعامل مع الحريات باعتبارها ترف.. وتخشى تسببها في اندلاع ثورة
لا نرغب في ثورات جديدة.. بل قنوات سلمية ديمقراطية للتعبير عن الرأي
فشل السلطة في منح الشعب حقوقه جعلها تحاصره
لا توجد مساحات حقيقية للاعتراض.. وهذه أزمة للسلطة نفسها
السلطة غير مقتنعة بالإصلاح السياسي والديمقراطي. وعليها إدراك أن السياسة صمام أمانها
جيل الوسط في “خانة اليك”.. وعليه دعم الجيل الأصغر بنقل الخبرات وطرح المبادرات
نراهن على جيل الشباب في تغيير الأوضاع الراهنة
الحديث مع الكوادر السياسية المنتمية لجيل الوسط، يضفي الأمل علينا في غد أفضل لمصر. أطروحاتهم حول الملفات السياسية الساخنة، والأزمات التي تمر بها البلاد تفتح آفاقا جديدة نحو المستقبل. كما أن حماسهم لتغيير حال الدولة المصرية للأفضل يجعل لزاما علينا الاستماع لهم، وإدخال أفكارهم ورؤاهم حيز التنفيذ. من بين سياسيي جيل الوسط حاور “القصة” السياسي البارز، أحد أبناء ثورة 25 يناير، حسام مؤنس، فإلى نص الحوار.
تعليقك على تجاهل ملف سجناء الرأي مؤخراً؟
السلطة تتعامل مع ملف سجناء الرأي بنوع من التجاهل لأنه ليس ذا أهمية بالنسبة لها، وقد يكون أحياناً محل للتفاوض أو للتسويات، لكنها لا تراه ملفا يستحق اتخاذ قرارات جادة وسريعة ونهائية فيه. والفترة التي شهدت اهتماما وزخما حقيقيين بهذا الملف كانت متواكبة مع الحوار الوطني، حتى استنفذ هذا الحوار أغراضه التي لا نعلمها أصلا، وعاد الملف مجددا للأدراج. وكان واضحا أنه ليس له سياق، وحتى اللجنة التي شُكلت باعتبارها مسئولة عن هذا الملف أصبحت “محلك سر”، بغض النظر عن تقيمنا لأدائها، فلا هي موجودة ولا تم حلها.
وتُعتبر الفترة من 2022 ربما لمنتصف 2023 أو بداية 2024 هي الفترة الوحيدة التي شهدت مساعي جادة لحل هذا الملف، وإن كانت بدون معايير واضحة أو ممسوكة. ثم عادت الأمور لما كانت عليه، وأصبح خروج سجين يساوي دخول آخر أو آخرين. دون وجود ضوابط تنظيمية تستهدف تبييض السجون من سجناء الرأي والسياسيين غير المتورطين في أي عنف، كذلك دون سياق نعرف من خلاله لماذا خرج شخص بينما شخص آخر لا يزال بالسجن، أو لماذا يقبض على أحدهم، كل هذه أسئلة بلا إجابات منطقية. وربما الإجابة الوحيدة هي أن “هذه عقلية السلطة”، لذلك سنظل في هذه الدائرة المفرغة.
إذَن ليس لديك تصور متى يغلق هذا الملف؟
إغلاق هذا الملف بالغ السهولة، لا يحتاج سوى الإرادة السياسية، كلمة واحدة من رئيس الجمهورية كفيلة بإغلاق ملف سجناء الرأي للأبد، وتبييض السجون من كل من لم يتورط في أعمال عنف، ومن كل صاحب رأي. خصوصا أن الأمر لا يتعلق بالقانون، بل يستند لخروقات قانونية متعددة، أبرزها ما يتعلق بالحبس الاحتياطي، وتمديده بالمخالفة للقانون. وما سمعناه عن تعديلات قانونية لتقييد الحبس الاحتياطي ووضع بدائل له هي موجودة بالفعل في قانون الإجراءات الجنائية، وللأسف لا يتم العمل بها.
ولابد من الأخذ في الاعتبار أن هذا البلد لن يُكتب له أن يتنفس الحرية أو الأمل في مستقبل مختلف في حياته السياسية إلا بعد إغلاق هذا الملف. حتى النداءات الخاصة بنزاهة الانتخابات أو انفتاح الأحزاب أو حرية الرأي والرأي الآخر متعلقة به بشكل او بآخر.
كيف ترى تعامل الدولة مع ملف الحريات؟
هناك أزمة في نظرة السلطة للحريات. لأنها ترى أن هامش الحرية الذي كان موجودا في نهايات عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك تسبب في اندلاع ثورة يناير. وبالطبع السلطة لا ترغب في السماح بتكرار هذا الأمر. وبالمناسبة، لا يريد أحد تكرار الأمر، وتعرُّض هذا البلد مجددا لحالة من السيولة ولا لغضب جماهيري واسع يعبر عن نفسه في الميادين. نحن نرغب في قنوات طبيعية سلمية ديمقراطية يُسمح فيها للجماهير بالتعبير عن رأيها، واتخاذ القرارات المناسبة لها في مختلف الأمور. وهذا هو الوضع الطبيعي، وغلق الباب أمامه هو ما يؤدي للأسف للسيناريوهات الأخرى التي تخشاها السلطة.
السلطة تتعامل مع مسألة الحريات باعتبارها ترف لا يحتاجه المجتمع، رغم أن حقيقة الأمر أنه حتى إذا كان المجتمع وقطاعات واسعة فيه راضية عن السلطة وسياساتها باعتبارها خلاصا من جماعة الإخوان، أو أنها كانت تراهن على قدرة هذه السلطة على تلبية احتياجاتها، فأظن أنه بعد السنوات الماضية التي عانى الناس خلالها من سياسات السلطة تغيرت هذه المعادلة.
هل تعتقد أن السلطة الآن ربما تغير خطتها فق التعامل مع هذا الملف؟
الدولة الآن لا تستطيع فتح مساحة حريات للجماهير كي تنظم نفسها أو تعبر عن نفسها، وهذا الأمر لا يخص السياسة وحدها، لكن يرتبط بالحياة النقابية والكيانات المجتمعية والمنظمات الأهلية. فهناك تضييق وحصار على أي مساحة يمكن للناس تنظيم نفسها من خلالها بأي شكل. فالسلطة تخشى هذا الأمر، خصوصا في ظل عدم قدرتها على توفير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للناس تحت مزاعم الإصلاح الاقتصادي، وتحت معادلات التضخم والغلاء المتزايد دون أفق واضح لحلول اقتصادية واضحة. فهي ترى في فتح مساحة الحريات للجماهير منفذا قد يعطي المجتمع بالتدريج أو بالتراكم فرصة للوقوف في وجهها حال عدم اقتناعه بشيء يخص سياساتها أو قراراتها. والسلطة بالطبع لا تريد لهذه المساحة ان تكون موجودة.
في الحقيقة السلطة مخطئة في هذه الفكرة، فالأمان الحقيقي لها ولهذا البلد أن يجد المجتمع رئات يتنفس من خلالها، مثل الأحزاب والنقابات والإعلام والجمعيات الأهلية والأنشطة المجتمعية، وبدون هذه المنافذ فمن المنتظر أن تواجه السلطة انفجار شعبي حاد.
في ظل هذا الإغلاق التام، ما هي آليات الاعتراض على أي قرار؟
سؤال صعب، فللأسف لا توجد مساحات كثيرة، فالمساحات المتاحة ستكون إصدار بعض الأحزاب بيانات، وبعض النواب قد يعبروا عن الاعتراض بطلبات إحاطة أو استجوابات، وربما لا تأخذ مسارها الطبيعي حتى تكتمل، وبعض الصحفيين قد تتاح لهم الفرصة إذا كانوا في منصات أو صحف مستقلة أن يعبروا من خلالها. كذلك بعض النشطاء قد يجدوا المساحة للكتابة عبر صفحات السوشيال ميديا، لكن في النهاية لا توجد قناة جماعية منظمة يمكن التعبير من خلالها عن موقف جماعي. وفي الواقع هذه هي المأساة التي وضعتنا بها السلطة. حيث تحولنا لجُزُر منعزلة، ورغم ذلك هناك بعض المواقف التي تلتف حولها الجموع، مثل موضوع المقايضة الكبرى الخاص بقناة السويس الذي أثير مؤخرا، فإن لم تكن الجماهير قادرة على تنظيم أو توحيد صفوفها فإنها اتخذت نفس الموقف، وكان لها صوت واحد.
هناك سؤال هام، إذا أرادت السلطة في أي وقت اتخاذ موقف جاد من مناقشة أزمات المجتمع مع أصحاب المصلحة أو مع الأطراف المختلفة معها فمع من تتناقش؟ للأسف لن تجد تنظيمات أو أطر تستطيع التواصل معها، فهي لا تعلم من يعبر عن المعارضة، ولا تعلم من أين تسمع الرأي الآخر.
هل تعتقد أن الدولة ترغب في إصلاح سياسي حقيقي؟
في الحقيقة أنا لا أعلم إذا كانت ترغب أم لا، لكن قناعتي أن هذه السلطة غير مقتنعة بمسألة الإصلاح السياسي والديمقراطي، لكن هناك فرق بين أن أكون مقتنع بشيء وبين أن أرى ضرورة له. فبعد كل هذه السنوات لابد أن تدرك السلطة وأجهزتها أن السياسة صمام أمان لها قبل أن تكون كذلك للبلد والمجتمع. فالسلطة بتركيبتها الحالية وعدم قناعتها بالرأي الآخر يجب عليها أن تدرك في ظل الأزمات الخارجية المحيطة بنا، والأزمات الداخلية العديدة والاحتقان المجتمعي أنه لابد من وجود قدر من التماسك ما بين السلطة وما بين أطراف المجتمع المختلفة، ليس فقط بالمعنى السياسي، لكن بالمعنى الأوسع. فإن لم نتحدث عن إصلاح فلابد من وجود رئة يتنفس المجتمع منها، وقنوات تتحاور السلطة وتتناقش عبرها مع المختلفين معاها، ولابد من فتح مساحات للحركة ما بين الأراء المختلفة أو من القوى المختلفة التي لديها آراء أخرى من مختلف قطاعات المجتمع، لأن هذا صمام أمان للمجتمع من الانفجار، وللسلطة أيضا على حد سواء.
كيف ترى مسئولية جيل الوسط لتغيير الحالة الحالية؟
للأسف جيل الوسط موضوع في “خانة اليك”، فالدور الطبيعي المنتظر منه في هذا الوقت أن يكون موجودا بشكل فاعل ومؤثر على الساحة السياسية في مختلف المساحات المتاحة، سواء الأحزاب أو النقابات أو الحركات السياسية وغيرها. كذلك أن يلعب دورًا في نقل خبرات ما بين الأجيال السابقة، وتلك الغائبة عن المشهد العام سواء لعدم اهتمامها به، أو لعدم قناعتها بالكيانات أو الأُطُر الموجودة حاليا، المتمثلة في أجيال الشباب أو الأجيال الأصغر.
الأزمة الحقيقية أن جيل الوسط في الوقت الحالي جزء كبير منه إما خارج البلاد لأسباب اقتصادية أو سياسية، أو بحثا عن حياة أفضل بعدما فقدوا قدرتهم على الحلم الجماعي أو إحساسهم بقربهم من تحقيقه بعد كل اليأس والإحباط الذي تعرضوا له، فبدأوا في البحث على الأقل عن نجاح على المستوى الفردي، وهذا حق طبيعي لأي شخص.
كما أن الكثير من أبناء هذا الجيل بعدما أفنوا سنوات من شبابهم ليس بحثًا عن استقرار شخصي أو بناء أُسري أصبحوا فقط يحاولون اللحاق بهذه العجلة متأخرا، وفي ظل ظروف أصعب كثيرا مما كانوا عليه. كذلك كثير من شباب جيل الوسط لا يزالوا في السجون للأسف، وهذه الأمور واقعية وليست محاولة لإيجاد مبررات لعدم وجودهم، لكنه مجرد محاولة لفهم السياق الذي يدور فيه أبناء هذا الجيل.
المتوقع من جيل الوسط هو التصدي لمهمته ومسؤوليته، إما من خلال الأطر الموجودة حاليا، أو من خلال طرح مبادراته المختلفة، ولكن الأزمة التي تجعل هذا الأمر متوقفا عند نفس النقطة منذ سنوات رغم النقاشات المتعددة التي تدور حوله هي أن أغلب الأطر الموجودة حاليا غير مستعدة، رغم ترحيب بعضها من أحزاب وجبهات وغيره، لكن قد يكون هناك ملاحظات أو انتقادات لدى الأطراف التي من المفترض أن تقوم بهذا الأمر، تمثل وجود عائق من خلافات أو من عدم ثقة أو غير ذلك، ما يحول دون حدوث حالة جماعية داخل جيل الوسط تتجه لهذا الاتجاه مع الأطر الموجودة حاليا، كذلك تحول دون أن يقوم أبناء هذا الجيل بطرح المبادرات التي تخصهم، وللأسف هذا الأمر محكوم أيضا بالحالة السياسية التي تعاني الحصار والملاحقة وفقا لما تطرقنا إليه مسبقا، فإذا بدى فيها أمرا جاد ربما يتم العصف بها وهكذا.
هذه هي المعضلة التي وقع بها هذا الجيل، ما بين تشتته، وتشتت نخبته – إذا جاز التعبير – ما بين ملاحقتهم شخصيا أو اليأس من المجال العام أو عدم وجود فرصة مع الأطر الموجودة أو طرح قدرتها أو أفكارها لمبادرات جديدة من شأنها تجديد دماء الحياة السياسية الموجودة حاليا.
كيف ترى جيل الشباب أو الجيل الأصغر؟
رغم المسئولية التي تحدثنا عنها والدور الهام لجيل الوسط، والتي تنحسر يوما بعد يوم، وضرورة وجوده سند لجيل الشباب، لكن الجيل الجديد رغم التخوفات الكبيرة من تهوره في التعامل مع بعض القضايا والملفات الهامة إلا أن الرهان عليه كبير جدا في تغيير الأوضاع السلبية الراهنة التي تستلزم العمل بجد لفترات طويلة.