في مشهدٍ يعكسُ ثقل الدور المصري الإقليمي، وعودة الدبلوماسية المصرية لتصدر المشهد الدولي، تعقد اليوم بمدينة شرم الشيخ قمة دولية استثنائية تحت عنوان “قمة شرم الشيخ للسلام”، برئاسة مشتركة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة أكثر من 20 دولة من القارات الخمس.
القاهرة تجمع العالم من أجل سلامٍ دائم
القمة التي جاءت تتويجا لجهود وساطة مصرية امتدت على مدى الشهور الماضية، تهدف إلى تحويل الهدنة الهشة في غزة إلى اتفاق سلام شامل، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية دائمة تعيد إحياء حل الدولتين وتضمن استقرار الإقليم بأكمله.
السفير محمد حجازي: مصر أفشلت أخطر مخطط لليمين الإسرائيلي
قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق والمتحدث الرسمي الأسبق باسم وزارة الخارجية المصرية، إن القمة الدولية التي تعقد بمدينة شرم الشيخ، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومشاركة قادة وزعماء نحو 20 دولة، تُعد حدثًا غير مسبوق يمكن أن يمهد الطريق نحو اتفاق سلام شامل، توفر له الأسرة الدولية النطاق الاستراتيجي الذي يكفل للوسطاء ولأطراف النزاع التباحث بشأن كل بند من بنود هذا الاتفاق المهم.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ موقع “القصة”، أن هذه الخطة تُعد إطارًا عامًا في حاجة إلى خطة تنفيذية تتفاوض فيها الأطراف حول كل بند من البنود، موضحًا أنه في المرحلة الأولى احتاجت عملية الاتفاق على قوائم الأسرى وتبادلهم إلى مفاوضات شاقة بين الأطراف، غير أن هذه المرحلة أسست لآلية يمكن من خلالها التوصل لتحقيق مكاسب الخطة.
وأشار إلى أن هذا الحشد الدولي في شرم الشيخ يعكس رغبة المجتمع الدولي في أن تكون خطة سلام شاملة تقود لحل قضايا النزاع في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لتقديم المنطقة كفرصة واعدة نحو الأمن والاستقرار والاستثمار والتعاون في المستقبل.
وأكد حجازي أن وجود الرئيس ترامب وهذا الحشد الدولي يعكسان تقدير المجتمع الدولي والولايات المتحدة لدور مصر ومكانتها وتأثيرها في محيطها الإقليمي، وارتباطها الأصيل بالقضية الفلسطينية، وما يتمتع به دورها من مصداقية وثقل يمهد الطريق لتنفيذ كافة بنود الاتفاق.
وأوضح أن مصر تحظى بثقة طرفي النزاع، سواء كان الطرف الفلسطيني بفصائله المختلفة، أو الطرف الإسرائيلي ممثلاً في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لما تبذله القاهرة دومًا من جهود لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام لشعوب المنطقة كافة.
وأشار إلى أن العلاقات المصرية الأمريكية دائمًا ما عكست مكانتها الاستراتيجية، سواء عبر المسار العسكري كما ظهر في مناورات “النجم الساطع” مؤخرًا، أو من خلال الدور المصري الفاعل في التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، وهو ما يتجدد اليوم عبر الجهد المصري المتواصل مع الأشقاء في قطر والولايات المتحدة.
وشدد على أن خطة الرئيس ترامب ستحتاج إلى جهد ضخم، لكن ليس هناك أهم من الجهد الدبلوماسي المصري رفيع المستوى الذي يتميز بالاحترافية والدقة، سواء عبر الدبلوماسية الرئاسية أو وزارة الخارجية أو الأجهزة التنفيذية، التي حققت إنجازات كبيرة بفضل مثابرتها وثقة الأطراف في دورها.
وقال السفير إن الأهم في هذه المرحلة هو الخروج من هذا الحدث الدولي في شرم الشيخ بآلية تنفيذية واضحة، سواء فيما يتعلق بالمرحلة القادمة الخاصة باستكمال الانسحابات الإسرائيلية، أو إدخال المساعدات الإنسانية، أو آلية إدارة قطاع غزة من خلال حكومة تكنوقراط فلسطينية ترتبط بالسلطة الوطنية الفلسطينية سياسيًا وقانونيًا، تنفيذًا لحكم محكمة العدل الدولية الصادر في يونيو 2024، الذي أكد أن الجغرافيا الفلسطينية تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي الأراضي التي تحتلها إسرائيل.
وأضاف أن العمل في المرحلة المقبلة سيركز على إطلاق مؤتمر إعادة الإعمار، الذي سيكون ضمن أولويات الدبلوماسية المصرية كما أعلن الوزير بدر عبد العاطي، وستتحرك مصر لدعوة الدول والشركاء للمشاركة في هذا المؤتمر الذي ستعقده القاهرة بالتعاون مع الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية.
وأوضح أن هذا المؤتمر سيكون مدخلًا لتثبيت الأوضاع في غزة، بعد أن نجحت مصر في إفشال واحد من أخطر مخططات اليمين الإسرائيلي المتطرف، وهو مخطط التهجير القسري، معتبرًا ذلك مكسبًا رئيسيًا للقضية الفلسطينية.
وأكد أن الجهود المصرية الحالية تركز على تثبيت السكان بشكل عاجل تمهيدًا لإطلاق مؤتمر إعادة إعمار شامل، تشارك فيه كافة القدرات الوطنية والدولية لإعادة بناء غزة كجزء عزيز من الوطن الفلسطيني، وعنصر أساسي في أمن واستقرار المنطقة.
وأضاف أن مصر، التي استضافت دوماً قوافل المساعدات الإنسانية، كانت مصدر 80% مما دخل إلى قطاع غزة من إغاثات، ولا تزال تعمل على إعادة بناء المدن المدمرة وتجهيزها لمرحلة الإعمار المقبلة بمشاركة الأسرة الدولية.
وأوضح السفير أن المشهد الحالي في مدينة السلام يعكس تضافر الجهود الدولية والإقليمية ونجاحها في التوصل إلى وقف حملة الإبادة في قطاع غزة، وطرح رؤى مشتركة لتنفيذ خطة من عشرين بنداً تمثل اتفاقًا إطارياً، بدأت تفاصيله في شرم الشيخ بالاتفاق على عناصر المرحلة الأولى الخاصة بتبادل الأسرى والرهائن ورفات المتوفين، إلى جانب وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى نقاط متفق عليها، وفتح المعابر للمساعدات الإنسانية العاجلة، تمهيدًا لاستكمال باقي البنود وصولاً لمرحلة الحوكمة وإدارة القطاع وانطلاق عملية إعادة الإعمار.
وأشار إلى أن مباحثات جديدة انطلقت اليوم في باريس للتباحث حول سبل تنفيذ حل الدولتين وإعادة إعمار غزة، بدعم من الأسرة الدولية لتنفيذ خطط الرئيس ترامب ووثيقة حل الدولتين، مؤكدًا أن المشهد الحالي مؤهل لقيادة المنطقة نحو إقامة الدولة الفلسطينية.
وشدد على ضرورة ألا يقتصر ما تم الاتفاق عليه على وقف الحرب في غزة فقط، رغم أهميته، بل أن يكون منطلقًا لإطلاق جهود التسوية الشاملة القائمة على حل الدولتين.
واختتم السفير محمد حجازي بالتأكيد على أن مصر بذلت جهودًا مضنية في التفاوض والتصدي العلني والمعلن لأخطر جريمة خطط لها اليمين الإسرائيلي المتطرف، وهي جريمة التهجير القسري، فضلًا عن استمرار جرائم الإبادة الجماعية التي يجب أن تُحاسب عليها إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
وقال إن المرحلة المقبلة يجب أن تمتد سياسيًا لتمكين الفلسطينيين من حكم قطاع غزة، ودعم السلطة الوطنية في بسط سيطرتها على الضفة والقدس الشرقية، تنفيذًا لمقررات الشرعية الدولية وحكم محكمة العدل الدولية الصادر في يوليو الماضي، الذي أكد أن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية هي الأراضي الفلسطينية المحتلة.
أيمن الرقب: قمة شرم الشيخ دعم حقيقيه للقضية الفلسطينية
وفي السياق نفسه، أكد المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور أيمن الرقب، أن تحويل اللقاء الحالي إلى مؤتمر دولي للسلام جاء نتاجًا مباشرًا لجهود جمهورية مصر العربية التي سعت لتحقيق عدة أهداف في مقدمتها تحصين اتفاق التهدئة الذي تم خلال الأيام الماضية في شرم الشيخ، ثم تحويل وقف إطلاق النار إلى تثبيت دائم يدفع باتجاه إنهاء الصراع، لأن استمرار إدارة الصراع أو “تسكينه” مؤقتًا سيؤدي إلى تفجّره مرة أخرى.
وقال الرقب في تصريحات خاصة لـ القصة: أعتقد أن القاهرة ستستغل وجود هذا الكم من القيادات الدولية والعربية والإسلامية للحديث عن ضرورة حل الصراع من خلال الوصول إلى اتفاق حول حل الدولتين، خاصة أن مقترح ترامب يتحدث فقط عن حل مشكلة غزة دون التطرق إلى إنهاء الصراع بشكل شامل أو طرح رؤية واضحة لنهايته. لذلك أرى أن جمهورية مصر العربية ستستثمر هذا الزخم الكبير وتحوله إلى دعم فعلي للقضية الفلسطينية.
وأضاف الرقب أن المشكلة الأساسية اليوم تكمن في الفراغ الأمني داخل غزة، موضحًا:حتى قبل ساعات قليلة، شهدت مناطق في غزة اشتباكات بين مجموعات مسلحة وحماس، نتيجة رغبة الاحتلال في إحداث فراغ أمني يتحول لاحقًا إلى اقتتال داخلي. هذا المخطط واضح من جانب الاحتلال، وهو ما نخشى نحن كفلسطينيين حدوثه بالفعل. وجود حماس حتى الآن لا يقابله بديل حقيقي، فمن سيملأ هذا الفراغ؟ خلال فترة الحرب شكّل الاحتلال مجموعات مسلحة مثل مجموعات أبو شباب، ومجموعات الأصطل في خانيونس، وحلس في الشمال، والمنس وغيرها، تمهيدًا لدفع الأمور نحو اقتتال داخلي، وقد بدأت بوادر ذلك في منطقة الصبرة.
وأشار إلى أن أي فراغ أمني قبل تجهيز الأجهزة الأمنية والشرطية الفلسطينية للدخول إلى غزة سيكون مرهقًا للحالة الفلسطينية.
وفي سياق متصل، قال الرقب: نعرف أنه في خطة ترامب تم الاتفاق على تشكيل مجلس أعلى للسلام بقيادة ترامب وتوني بلير، وهناك رغبة لديهم في حضور فاعل، لكن قمة عربية سابقة في مارس تحدثت بشكل واضح عن ضرورة تشكيل لجنة تقنوقراط لإدارة غزة. ونحن كفلسطينيين متفقون على تشكيل حكومة تقنوقراط فلسطينية، ولكن بتوافق فلسطيني–فلسطيني دون أي إملاءات خارجية، مع ضرورة وجود شرطة فلسطينية تملأ الفراغ الأمني في القطاع، إذ إن الخمسة آلاف عنصر الحاليين لا يكفون لهذه المرحلة. الأيام القادمة ستشهد اجتماعًا للفصائل الفلسطينية بدعوة من القاهرة، لمناقشة تشكيل لجنة تقنوقراط تدير غزة في المرحلة الانتقالية.
وأردف المحلل السياسي الفلسطيني: مصر تعاملت برزانة وعقلانية وبطريقة غاية في الروعة، حيث تشاركها قطر وتركيا في هذه الحوارات. واختيار القاهرة أن تكون الاجتماعات يوم السادس من أكتوبر تيمّنًا بنصر أكتوبر، وفي مدينة شرم الشيخ التي تحررت بعد اتفاقيات السلام، له دلالة رمزية عميقة. مصر درست المشهد بشكل كامل، ولا توجد أي فصائل – سواء تابعة للسلطة أو لحماس – ترى فرقًا في تعاملها مع مصر، بل على العكس، الجميع يكنّ كل الاحترام لجمهورية مصر العربية التي تبنت الرواية الفلسطينية منذ بداية الحرب، وعملت بكل الوسائل لإدخال المساعدات إلى غزة وحقن دماء الشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن اللفتة الإنسانية المصرية الأخيرة المتمثلة في إدخال 100 شاحنة لنقل العالقين من الجنوب إلى الشمال وإعادتهم إلى بيوتهم بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، لاقت استحسانًا كبيرًا من الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن “مصر لا تكاد تشارك في أي محفل دولي إلا وتتحدث عن القضية الفلسطينية وضرورة حل الصراع وإقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام بجانب دولة الاحتلال”.
وفي ختام حديثه، أوضح الدكتور أيمن الرقب أن ملف إعادة الإعمار سيكون حاضرًا بقوة في القمة، مشيرًا إلى أن “مبالغ الإعمار ضخمة وقد تُستغل سياسيًا أو ماليًا للابتزاز، لكن القاهرة ستستغل مؤتمر شرم الشيخ للحديث عن إعمار قطاع غزة باعتباره مدخلًا لإعادة الأمل للشعب الفلسطيني الذي عانى ويلات الحرب”.
واختتم قائلًا:“قد تكون هناك محاولات لاستغلال أموال الإعمار، لكنها ستتحطم أمام موقف عربي موحد وجبهة داعمة للحق الفلسطيني. اليوم غزة باتت بيئة طاردة تحتاج إلى إعادة إعمار عاجلة، في ظل الرفض العربي الواضح لتهجير الشعب الفلسطيني، ومن ثم فإن أقل تقدير عربي ودولي مطلوب الآن هو دعم عملية الإعمار وإعادة الحياة إلى غزة”.