بينما تنشغل العواصم الكبرى بترتيب أوراق القوة، يجد العراق نفسه مرة أخرى في مواجهة قدره الجغرافي كـ “ساحة مفتوحة” لتبادل الرسائل الإقليمية.
فمنذ مطلع مايو 2026، لم تعد سماء إقليم كردستان والعاصمة بغداد مجرد ممرات جوية، بل تحولت إلى مرايا تعكس حدة الاستقطاب الدولي والإقليمي، وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز تساؤلات جوهرية: هل يملك العراق القدرة على تحييد ساحته عن صراعات الكبار؟ أم أن “السيولة الأمنية” باتت قدراً يصعب الفكاك منه؟
“ساحة مفتوحة” وقدر الجغرافيا
يرى المحلل السياسي العراقي، حسين علي الجنابي، أن التوتر المتصاعد في العراق، وتحديداً في إقليم كردستان، هو نتاج طبيعي لتداخل عوامل داخلية وإقليمية شديدة التعقيد، ويؤكد الجنابي لـ”القصة” أن العراق بات يتأثر “بشكل مباشر ولحظي” بأي اهتزاز في ميزان القوى الإقليمي، سواء كان ذلك في إطار الصراع بين واشنطن وطهران، أو في سياق التحركات العسكرية المرتبطة بالقواعد الدولية.
أربيل: لماذا أصبحت “مركز الثقل”؟
يشير الجنابي إلى أن حساسية إقليم كردستان تنبع من جغرافيتين:
- الأولى سياسية: لوجود مقار لقوى معارضة إقليمية تعتبرها دول الجوار تهديداً مباشراً لأمنها القومي، مما يشرعن -من وجهة نظر تلك الدول- عمليات “الدفاع الاستباقي”.
- الثانية عسكرية: لوجود القواعد الدولية، مما يجعل الإقليم في صدارة “صندوق البريد” لتبادل الرسائل الأمنية العنيفة بين الأطراف المتصارعة.
ما وراء الصواريخ.. حرب الرسائل لا الرغبات
يوضح الجنابي نقطة جوهرية وهي أن تحول العراق إلى ساحة لتبادل الرسائل ليس خياراً اتخذته بغداد، بل هو نتيجة لـ “طبيعة التوازنات الحالية”، فوجود قوى متعددة ومشاريع متقاطعة داخل المشهد العراقي يجعل أي تصعيد بين القوى الكبرى ينعكس فوراً على الداخل العراقي، لتصبح السيادة هنا في مواجهة اختبار “الأمر الواقع”.
بغداد ومحاولات “احتواء اللهيب”
أمام هذا الانكشاف الأمني، تحاول الحكومة العراقية المناورة في مساحة ضيقة جداً، ويقول الجنابي، فإن تحركات بغداد تتركز في مسارين:
- المسار الميداني: رفع الجاهزية الأمنية وتأمين الأجواء كما حدث في سماء بغداد مؤخراً.
- المسار الدبلوماسي: محاولة إقناع الأطراف المختلفة بعدم نقل الصراع “بشكل كامل” إلى الأراضي العراقية.
هل تنجح الدبلوماسية حيث تخفق الرادارات؟
يرى الجنابي أن قدرة الحكومة على الاحتواء تبقى “مرهونة” بحجم التصعيد الخارجي ومدى التزام القوى الكبرى بضبط النفس.
ويقول الجنابي: “يعكس ما يحدث مزيجًا بين هشاشة الملفات الداخلية وتغول الصراعات الخارجية فالعراق اليوم، بموقعه وتشابك علاقاته، يعد الدولة الأكثر تأثرًا بأي اضطراب إقليمي، مما يضع مستقبل الاستقرار السياسي والأمني على المحك في حال غياب الحلول السياسية الكبرى”.