رغم أن الحدود واحدة والعلم واحد، تبدو “مصر” و”إيجيبت” وكأنهما عالمان منفصلان داخل الدولة نفسها؛ في الأولى يعيش المواطن البسيط الذي يحسب خطواته على إيقاع الجنيه، وفي الثانية يعيش من لا يشعر بثقل الأسعار ولا وطأة التضخم، إنه الفارق بين من يسعى لتأمين احتياجات يومه، ومن يعيش رفاهيته كأمر مسلَّم به.
في “مصر”، يبدأ الصباح بعربة فول عند ناصية الشارع، وزحام المواصلات العامة، وأحاديث عن الأسعار والفواتير، أما في “إيجيبت”، فالصباح يمر على مقاهٍ راقية تقدم “الكرواسون” مع “اللاتيه”، ويقاس اليوم بعدد الاجتماعات ورسائل البريد الإلكتروني.
تتشابه التفاصيل اليومية في الملامح فقط، لكن مضمونها مختلف تمامًا.
سفر الحياة اليومية
في “مصر”، هنا “سفر الحياة اليومية”. يُحسب اليوم بالجنيهات القليلة. عامل بسيط يستيقظ في الخامسة صباحًا، يشتري راحة باله في “إدرة الفول”، ويدفع خمسة عشر جنيهًا للمواصلات، ثم يعود إلى بيته وقد أنفق في يومه ما يتجاوز مائة جنيه لتلبية احتياجاته الضرورية.
أما في “إيجيبت”، فاليوم يقاس بمئات وربما آلاف الجنيهات؛ فنجان القهوة وحده قد يتجاوز خمسين جنيهًا، والغداء في مطعم متوسط يكلف نحو ثلاثمائة جنيه، والمواصلات الخاصة أو خدمات النقل الذكي تضيف أضعاف ذلك.
وفي نهاية اليوم، قد تصل تكلفة المعيشة اليومية لشخص واحد في “إيجيبت” إلى ما بين ألف وألف وخمسمائة جنيه، دون شعور فعلي بالترف، بل باعتبارها تكلفة طبيعية للحياة.
هذا الفارق في الإنفاق اليومي يعكس واقعًا اجتماعيًا يتسع يومًا بعد يوم، حتى باتت الطبقة الوسطى مهددة بالاختفاء، وتحول المجتمع إلى طرفين متباعدين لا يلتقيان إلا في الاسم.
المجتمع المصري يعيش ظروفًا معقدة
في هذا السياق، قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن المجتمع المصري يعيش واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا على المستوى الاجتماعي، بعدما تراجعت الطبقة الوسطى التي كانت تمثل صمام الأمان بين الغنى والفقر، وأصبح هناك تباين واضح في أنماط المعيشة بين فئات المجتمع.
وأضافت، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، أن هذا التفاوت لم يعد ماديًا فقط، بل تحول إلى أسلوب حياة وثقافة يومية مختلفة تمامًا، فبينما تكافح فئة كبيرة لتأمين أساسيات الحياة، هناك فئة أخرى تعيش في عالم من الرفاهية والانفصال عن الواقع.
وأوضحت “خضر”، أن التحول الاجتماعي الحاد الذي تشهده مصر ليس مجرد نتيجة للأوضاع الاقتصادية، بل يرتبط أيضًا بالتغير في القيم والمفاهيم، وغياب الوعي الجمعي الذي كان يوحّد المجتمع.
وأشارت إلى أن مشاهد الحياة اليومية أصبحت تعكس هذا التناقض؛ فهناك من يقيس يومه بسعر الخبز والمواصلات، وآخرون يقيسونه بحجوزات المطاعم والسفر، مما خلق ما يشبه “عالمين منفصلين داخل الدولة الواحدة”.
وأكدت، أن استمرار هذا الوضع يمثل خطرًا على النسيج الاجتماعي، لأن الشعور بالظلم والانفصال يولّد احتقانًا صامتًا قد يتحول إلى رفض مجتمعي غير مباشر، مشددة على ضرورة إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى باعتبارها القادرة على تحقيق التوازن بين طرفي المجتمع.
الانفصال في الوعي أخطر من الفقر ذاته
وقالت الدكتورة هالة يسري، أستاذة علم الاجتماع، إن الانقسام بين “مصر” و”إيجيبت” لم يعد اقتصاديًا فقط، بل نفسيًا وثقافيًا أيضًا. فكل فئة باتت تعيش داخل دائرة مغلقة لا ترى الأخرى، وهذا الانفصال في الوعي أخطر من الفقر ذاته، لأنه يهدد الإحساس بالمصير المشترك.
وحذّرت يسري، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، من التصنيفات التي تفرق بين الناس، مشيرةً إلى أن الانقسام بين ما يسمى بـ”إيجيبت” و”مصر” مجرد تقليعة غير مقبولة، وأضافت: “العدو يبدأ اختراقه للمجتمع عبر التصنيفات الاقتصادية أو الاجتماعية أو بين الرجل والمرأة، لذلك من المهم تعزيز الهوية الوطنية في المناهج والأنشطة المدرسية لتكون قاعدة واحدة تجمع كل أبناء الوطن”.
المواصلات.. طريقان لا يلتقيان
في “مصر”، المواصلات جزء من المعركة اليومية، وجوه متعبة وأصوات متداخلة وزحام لا ينتهي. أما في “إيجيبت”، فالطريق ذاته يُقطع داخل سيارة مكيفة، وسط موسيقى هادئة وربما مكالمة عمل أو بودكاست عن تطوير الذات، الزمن ذاته والمسافة ذاتها، لكن التجربة مختلفة كليًا؛ الأول يحارب كي يصل، والثاني يخطط كيف يبدأ يومه براحة.
البيت.. اختلاف في المفهوم
في “مصر”، المسكن شقة صغيرة مزدحمة بالحياة، ممتلئة بالضجيج والجيران وروائح الطعام أما في “إيجيبت”، فالمسكن مساحة فسيحة داخل كمبوند تحيطه الأسوار والهدوء المصطنع، ومع ذلك يبحث كلاهما عن المعنى ذاته: السكينة.
تآكل الطبقة المتوسطة وانعزال الأغنياء
وأكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن الفجوة الاجتماعية في مصر لم تعد مجرد تفاوت في الدخل، لكنها أصبحت اختلافًا شاملًا في أسلوب الحياة وطريقة التفكير، فهناك من يعيش في عالم “الكمبوندات” والمطاعم الفاخرة، ومن يعيش بالكاد على الحد الأدنى من الاحتياجات، في مناطق مزدحمة وفقيرة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
وأضاف صادق، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، أن مصر اليوم أشبه ببلدين داخل حدود واحدة: “إيجيبت” الخاصة بالطبقات الميسورة، التي تعيش نمط حياة عالمي وتتعامل بالعملة الأجنبية، و”مصر” التي تضم الغالبية وتعاني من التضخم وتآكل الدخول وغياب العدالة الاجتماعية، في “إيجيبت” تقاس الحياة بالماركات والسفر، بينما في “مصر” تُقاس بقدرة المواطن على شراء احتياجاته اليومية.
وأشار، إلى أن أخطر ما في المشهد هو انهيار الطبقة المتوسطة، التي كانت تمثل التوازن بين الغنى والفقر، ومع اختفائها زادت حدة الانقسام، كما أن الأغنياء انعزلوا في مجتمعات مغلقة، مما قلل التواصل الاجتماعي وأدى إلى “غربة داخل الوطن” بين فئات الشعب المختلفة
الفرق أن الأول يحلم بها، بينما الآخر يخشى أن يفقدها.