لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي جرت في الثالث من نوفمبر، مجرد خسارة انتخابية للحزب الجمهوري أو تراجع عابر في شعبية الرئيس دونالد ترامب، وإنما حملت رسالة سياسية مهمة بشأن حدود التفويض الشعبي لسياساته، ومدى قدرة خطابه القائم على شعار «أمريكا أولًا» على الصمود أمام التناقضات التي باتت تحكم قرارات إدارته. فقد نجح الديمقراطيون في انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يضع السنوات المتبقية من ولاية ترامب أمام معادلة سياسية مختلفة، ويعيد فتح النقاش حول طبيعة السياسات الأمريكية داخليًا وخارجيًا.
وبينما تتعدد أسباب هذه النتيجة، بدءًا من الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، وصولًا إلى الحرب مع إيران والاعتراض على طريقة إدارة ترامب لشؤون البلاد، فإن أحد الملفات التي تستحق التوقف أمامها هو السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، وما أحدثته من تحولات في الرأي العام الأمريكي، خصوصًا في ظل الحرب على غزة، واتساع نطاق المواجهة الإقليمية، واستمرار الدعم الأمريكي السياسي والعسكري للحكومة الإسرائيلية.
فترامب، الذي قدم نفسه باعتباره رئيسًا قادرًا على إنهاء الحروب وتجنب استنزاف الموارد الأمريكية في صراعات خارجية، وجد نفسه يتبنى سياسات تثير تساؤلات متزايدة حول مدى اتساقها مع هذا الخطاب. فمن ناحية، يرفع شعار تقديم المصالح الأمريكية أولًا، ومن ناحية أخرى يمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة واسعة من الدعم السياسي والعسكري، ويتبنى في كثير من الأحيان رؤيتها الأمنية والسياسية، حتى عندما تتعارض تداعيات هذه السياسات مع مصالح أمريكية أوسع في المنطقة، أو تضع واشنطن في مواجهة انتقادات دولية متزايدة.
المشكلة هنا لا تتعلق بطبيعة التحالف الأمريكي الإسرائيلي وحده، فهو تحالف ممتد تحكمه اعتبارات استراتيجية وعسكرية وسياسية ومؤسسية، وإنما تتعلق بحدود هذا التحالف، ومدى قدرة أي إدارة أمريكية على الفصل بين المصالح الأمريكية المستقلة وأولويات الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا عندما تصبح تلك الأولويات مصدرًا للتوتر مع حلفاء واشنطن، أو سببًا في اتساع دائرة المواجهة الإقليمية.
ولعل الأخطر بالنسبة إلى ترامب أن هذا الانحياز لم يعد يمر دون تكلفة داخلية. فقد أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في مايو 2026 أن 62% من الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية، كما كشف استطلاع آخر للمركز، في مارس من العام نفسه، أن 60% لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل نفسها، مقارنة بـ53% في العام السابق. والأكثر دلالة أن 58% من الأمريكيين دون الثلاثين عامًا لديهم نظرة إيجابية تجاه الفلسطينيين، مقابل 32% تجاه الإسرائيليين.
ولا يتوقف الأمر عند الانطباعات العامة، إذ كشف استطلاع أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية أن متوسط تقييم الأمريكيين لإسرائيل بلغ 44 نقطة من أصل 100، وهو أدنى مستوى في تاريخ استطلاعات المجلس. كما أظهر أن 56% من الأمريكيين يؤيدون خفض المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل أو وقفها بالكامل، بواقع 21% يؤيدون خفضها، و35% يطالبون بوقفها. وتكتسب هذه النتيجة أهميتها عند مقارنتها بعام 2014، حين لم تتجاوز نسبة المطالبين بخفض المساعدات أو وقفها 37%. كما ترتفع هذه النسبة إلى 72% بين الديمقراطيين و64% بين المستقلين.
أما فيما يتعلق بتقييم أداء ترامب نفسه، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Data for Progress خلال الفترة من 28 إلى 31 أغسطس 2026، وشمل 1264 ناخبًا أمريكيًا مرجحًا، أن 56% لا يوافقون على طريقة تعامله مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مقابل 33% فقط يؤيدون أداءه، بينما ترتفع نسبة الرافضين بين المستقلين إلى 71%. وتشير هذه الأرقام إلى أن الانحياز لإسرائيل لم يعد بالضرورة مكسبًا سياسيًا مضمونًا للرئيس الأمريكي، بل أصبح أحد الملفات التي تتسع حولها مساحة الخلاف مع قطاعات من الناخبين.
ولعل أحد أبرز الشواهد على هذه التحولات يتمثل في النجاحات الانتخابية التي حققها مرشحون مسلمون وعرب في الانتخابات الأخيرة. فقد فاز عبد السيد، الأمريكي من أصول مصرية، بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، ليصبح أول مسلم في تاريخ الولايات المتحدة يصل إلى المجلس. كما فاز الطبيب الأمريكي من أصول مصرية آدم حماوي بمقعد في مجلس النواب عن ولاية نيوجيرسي، ليصبح أول مسلم يمثل الولاية في الكونجرس، فيما احتفظت رشيدة طليب وإلهان عمر بمقعديهما في مجلس النواب.
ولا يمكن قراءة هذه النتائج باعتبارها مجرد زيادة في التمثيل السياسي لأقليات دينية وعرقية، وإنما باعتبارها مؤشرًا على تصدع الصورة النمطية التي ظلت تلاحق المسلمين في الحياة السياسية الأمريكية لعقود، والتي غذتها خطابات التخويف والربط بين الهوية الإسلامية والتطرف والإرهاب، وروجت لها بعض التيارات الجمهورية المتشددة ودوائر الضغط المؤيدة لإسرائيل، خاصة عندما يتعلق الأمر بأصوات تنتقد السياسات الإسرائيلية أو تدافع عن الحقوق الفلسطينية.
وربما كان من بين العوامل التي ساهمت في إضعاف هذه الصورة ما كشفته حرب غزة من حجم المأساة الإنسانية والدمار الذي لحق بالمدنيين، وما أثارته من تساؤلات أخلاقية وقانونية داخل المجتمع الأمريكي حول طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل وحدوده. فقد أصبح من الصعب على قطاعات متزايدة من الأمريكيين اختزال المواقف المنتقدة لإسرائيل في كونها تعبيرًا عن عداء ديني أو تطرف سياسي، كما لم تعد الخلفية الإسلامية أو العربية للمرشح كافية بذاتها للحيلولة دون حصوله على ثقة الناخبين. وبالطبع، لا يعني ذلك اختفاء الإسلاموفوبيا أو انتهاء استخدام هذه الاتهامات في الحملات الانتخابية، لكنه يكشف عن تراجع قدرة الخطاب المعادي للمسلمين على احتكار النقاش أو حسم خيارات الناخبين، ويفتح مساحة أوسع أمام الأصوات التي كانت مهمشة أو مستهدفة في السابق.
وهنا تظهر معادلة التأثير والتأثر بوضوح. فكما استطاعت إسرائيل، عبر عقود، التأثير في اتجاهات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، فإن السياسات الإسرائيلية، والدعم الأمريكي غير المشروط لها في نظر قطاعات من الناخبين، أصبحا بدورهما عاملين مؤثرين في السياسة الداخلية الأمريكية. ولم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية، بل تحولت إلى قضية تتصل بصورة الولايات المتحدة عن نفسها، وبمدى التزامها بالمبادئ التي تعلنها، وبحدود التناقض المقبول بين خطابها بشأن القانون الدولي وحقوق الإنسان وممارساتها السياسية.
وبالتأكيد، لا تعني نتائج الانتخابات أن الولايات المتحدة بصدد التخلي عن إسرائيل، أو أن التحالف الاستراتيجي بين البلدين أصبح مهددًا بالانهيار. فهناك مصالح ومؤسسات وقوى سياسية تضمن استمرار هذا التحالف، كما أن الموقف الأمريكي من إسرائيل لا يزال منقسمًا حزبيًا وأيديولوجيًا. لكن انتقال السيطرة على الكونجرس إلى الديمقراطيين يفتح المجال أمام رقابة أكثر تشددًا على سياسات الإدارة، وإجراء تحقيقات برلمانية، وطرح نقاشات أوسع بشأن المساعدات العسكرية وحدود الدعم الأمريكي للحكومة الإسرائيلية.
وبالنسبة إلى العرب، فإن الدلالة الأهم لا تكمن في الرهان على خلاف أمريكي إسرائيلي، أو انتظار تحول تلقائي في السياسة الأمريكية لصالح الحقوق الفلسطينية، وإنما في إدراك أن البيئة السياسية الأمريكية ليست ثابتة، وأن الرأي العام، الذي ظل لعقود أحد مصادر القوة التي تستند إليها إسرائيل في واشنطن، يشهد تحولات تستحق المتابعة والبناء عليها.
وفي النهاية، فإن ما تكشفه التجربة الأمريكية هو أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يعد يؤثر في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط فحسب، بل إن طريقة إدارة واشنطن لهذا الصراع أصبحت بدورها مؤثرة في السياسة الداخلية الأمريكية. وتلك هي معادلة التأثير والتأثر التي ينبغي للعرب أن يقرؤوها جيدًا، وأن يحولوها من مجرد فرصة سياسية عابرة إلى مدخل لإعادة بناء حضورهم وتعزيز قدرتهم على التأثير في دوائر صنع القرار الأمريكي.