كيف يمكن للحكومة أن تتحدث عن الإنجازات وتحسن المؤشرات الاقتصادية، بينما تغيب الأرقام التي تكشف ما يعيشه المصريون فعلًا؟ سؤال يتجدد داخل مجلس النواب مع استمرار تأخر إعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، بما يتضمنه من بيانات حاسمة عن معدلات الفقر ومستويات المعيشة وقدرة الأسر على مواجهة أعباء الحياة.
وبين تعهدات حكومية لم تُنفذ تصاعدت المطالبات البرلمانية بإعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، في ظل استمرار غياب بيانات حديثة عن معدلات الفقر ومستويات المعيشة، رغم تعهدات حكومية سابقة بنشرها، وسط تساؤلات بشأن قدرة البرلمان والرأي العام على تقييم أثر السياسات الاقتصادية والاجتماعية دون الاستناد إلى مؤشرات إحصائية محدثة.
محمد فؤاد يطالب بإعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق
طالب النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، الحكومة والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بالإعلان العاجل عن نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، مؤكدًا أن إتاحة البيانات المتعلقة بمستويات المعيشة ومعدلات الفقر ضرورة لتقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية وقياس أثرها على المواطنين.
وأوضح فؤاد أن تأخر إعلان النتائج يحرم البرلمان من مرجعية إحصائية أساسية لممارسة دوره الرقابي، مشيرًا إلى أن عددًا من النواب تقدموا بطلبات إحاطة بشأن هذا الملف منذ بداية العام، وتلقوا وعودًا بنشر النتائج لم تُنفذ حتى الآن.
وأكد أن التعهدات الحكومية أمام البرلمان تمثل التزامات مؤسسية تستوجب الوفاء بها، وأن تأخر إتاحة البيانات يضعف فاعلية الرقابة والمساءلة، ويثير تساؤلات بشأن مدى الالتزام بمسؤوليات الحكومة أمام السلطة التشريعية.
وشدد على أن المخاوف من توظيف النتائج سياسيًا أو إعلاميًا، خاصة إذا كشفت تراجعًا في بعض مؤشرات المعيشة، لا تبرر تأخير إعلانها، مؤكدًا أن الشفافية تقتضي عرض المؤشرات الإيجابية والسلبية على حد سواء، استنادًا إلى بيانات دقيقة تعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
وأشار إلى أن أهمية البحث لا تقتصر على تحديد معدلات الفقر، بل تشمل رصد تطور دخول الأسر وأنماط إنفاقها على الغذاء والسكن والتعليم والصحة، وقياس أثر التضخم وارتفاع الأسعار، وتقييم كفاءة برامج الدعم والحماية الاجتماعية ومدى وصولها إلى الفئات المستحقة.
وأضاف أن غياب البيانات الدقيقة يحد من قدرة البرلمان على تقييم نتائج السياسات الحكومية ومقارنة المستهدف بما تحقق فعليًا، متسائلًا عن كيفية قياس أثر قرارات الدعم والأسعار على المواطنين دون معلومات واضحة بشأن دخول الأسر ونفقاتها.
وطالب فؤاد بنشر النتائج التفصيلية للبحث وإتاحة البيانات اللازمة للمقارنة مع الدورات السابقة، بما يسمح للبرلمان والباحثين والمتخصصين بتحليل تطور مستويات المعيشة وتقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية على أسس علمية.
وشدد أن الهدف من نشر النتائج ليس تسجيل مكاسب سياسية أو إصدار أحكام مسبقة على أداء الحكومة، وإنما قياس أثر السياسات على حياة المواطنين وتحديد ما يحتاج منها إلى مراجعة، مشددًا على أن الشفافية في نشر البيانات الرسمية ليست تفضلًا من الحكومة، بل التزام مؤسسي وشرط أساسي لتعزيز المساءلة.
محمد فؤاد ليس الأول
ولا تُعد مطالبة النائب محمد فؤاد بإعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الأولى من نوعها، إذ سبقتها تحركات برلمانية من نواب بمختلف الانتماءات الحزبية، شملت أسئلة برلمانية وطلبات إحاطة موجهة إلى الحكومة ووزارة التخطيط، للمطالبة بالكشف عن أسباب تأخر نشر النتائج والوفاء بالتعهدات السابقة بإتاحتها.
ووجهت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية وعضو لجنة الخطة والموازنة، سؤالًا برلمانيًا إلى رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بشأن كيفية تقييم أداء الحكومة والحديث عن إنجازاتها دون معرفة حجم الفقر وأعداد الفقراء في مصر.
وأوضحت أنها تقدمت بطلب إحاطة قبل مناقشة الموازنة العامة، انتهى إلى توصية بمنح الحكومة مهلة أسبوع لإرسال نتائج البحث، بعدما أقر ممثل وزارة التخطيط بوجود بحث لعام 2023، إلا أن النتائج لم تُتح حتى الآن، مشددة على أن إعلان البيانات إلى جانب المؤشرات الإيجابية ضرورة لتقديم صورة متكاملة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الشفافية والمصداقية.
من جانبها، قالت النائبة سحر عتمان، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، إنها تقدمت بسؤال برلماني إلى وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية بشأن عدم إعلان نتائج البحث، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر، وقت تقديم السؤال، على تعهد الوزارة أمام اللجنة الاقتصادية بإتاحتها خلال أسبوع.
وتساءلت عتمان عن كيفية الحديث عن مكافحة الفقر وتحسين مستوى المعيشة دون أرقام حديثة توضح تطور معدلات الفقر وأوضاع الأسر المصرية، مؤكدة أن التأخير لا يتعلق بمجرد نشر بيانات إحصائية، بل يمتد إلى القدرة على قياس الأثر الاجتماعي للسياسات الحكومية وبرامج الحماية الاجتماعية.
وفي السياق نفسه، قالت النائبة أميرة العادلي، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، إنها جددت سؤالها البرلماني بشأن عدم نشر البحث، بعدما سبق أن وجهت سؤالًا إلى رئيس مجلس الوزراء في 5 فبراير 2026 دون تلقي رد حتى الآن.
وأشارت إلى أن آخر بحث منشور يعود إلى عام 2021، رغم دورية إجرائه كل عامين، مطالبة بتفسير واضح لأسباب عدم إتاحة الإصدارات التالية. وأضافت أنها تقدمت بسؤال جديد إلى رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء، للمطالبة بالكشف عن أسباب التأخير وإعلان النتائج للرأي العام.
كما تقدم النائب حسام الخشت، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية بشأن استمرار عدم إعلان نتائج البحث، رغم تكرار التعهدات الحكومية بنشرها.
وأوضح أن التعهد بإتاحة البحث تجدد أمام اللجنة الاقتصادية في أبريل الماضي، بعدما سبق للوزارة التعهد بإعلانه، دون نشر النتائج حتى الآن.
وطالب بإحالة طلب الإحاطة إلى اللجنة الاقتصادية واستدعاء الوزير المختص لمناقشة أسباب التأخير والمسؤولية عن عدم تنفيذ التعهدات، وإعلان النتائج ومؤشراتها ومنهجية إعدادها وتحديد موعد واضح للنشر، محذرًا من انتهاء المناقشة إلى تعهد جديد دون تنفيذ.
وبحسب أحدث نسخة منشورة ومتاحة على قاعدة بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يعود آخر بحث للدخل والإنفاق والاستهلاك متاح للرأي العام إلى عام 2021، رغم أهميته في قياس مستويات المعيشة وتحديد خطوط الفقر ورصد أنماط إنفاق الأسر.
ويثير تأخر إعلان النتائج تساؤلات بشأن مدى اتساقه مع المادة 68 من الدستور، التي تنص على أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، وأن الإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، مع التزامها بتوفيرها وإتاحتها بشفافية.
ومن جانبها، شددت الإعلامية لميس الحديدي على أهمية نشر نتائج البحث، معتبرة أن استمرار غياب البيانات منذ عام 2021 يحول دون تكوين صورة دقيقة عن مستويات الدخول ومعدلات الفقر والاحتياجات الفعلية للأسر المصرية.
وأوضحت أن الحديث عن متوسطات الأجور، ومنها ما أعلنته الحكومة بشأن وصول أجور بعض المهندسين حديثي التخرج إلى مستويات تتراوح بين 25 و30 ألف جنيه، يحتاج إلى بيانات ميدانية وعلمية توضح متوسطات الدخول الحقيقية وكيفية توزيعها بين فئات المجتمع.
وأكدت الحديدي أن بيانات الدخل والإنفاق لا تهم الحكومة وحدها، بل تمثل أداة أساسية أمام البرلمان والمواطنين والمؤسسات المعنية لفهم الواقع الاقتصادي، وتقييم السياسات العامة، ووضع خطط تستند إلى معلومات دقيقة تعكس الأوضاع المعيشية للأسر المصرية.
بيانات الفقر بين غياب الإعلان وتباين حسابات المعيشة
في الوقت الذي تتواصل فيه المطالبات البرلمانية بالكشف عن نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، كشف مصدر مطلع لـ«القصة» في وقت سابق أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يواصل إجراء أعماله البحثية بصورة طبيعية، وأن البيانات المتعلقة بمعدلات الفقر والدخل والإنفاق خلال الفترة من 2021 إلى 2026 موجودة بالفعل، لكنها لم تُعلن للرأي العام.
وقال المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، إن تأخر إتاحة هذه البيانات لا يرجع إلى توقف الجهاز عن إجراء أبحاثه، مرجحًا أن يكون ارتفاع معدلات الفقر خلال السنوات الأخيرة وراء عدم إعلان النتائج.
وأضاف أن البيانات أُعدت بالفعل، لكنها لم تخرج إلى العلن، معتبرًا أن مسؤولية التأخير لا تقع على الجهاز الذي أنجز عمله، وإنما تتعلق بالجهات المعنية بإعلان النتائج.
وأشار المصدر إلى أن معدل الفقر المعلن رسميًا في عام 2019/2020 بلغ 29.7%، مدعيًا أنه ارتفع خلال السنوات التالية إلى 45%، ثم وصل إلى 66% في عام 2026، وهي أرقام قال إنها تعكس حجم التدهور في الأوضاع المعيشية، ونسبها إلى مؤشرات البنك الدولي.
حسابات الحكومة لا تعكس كل أعباء المعيشة
من جانبها، ترى الدكتورة حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن هناك فجوة بين تقييم الحكومة للأوضاع المعيشية وتقديرات المواطنين والاقتصاديين لتكلفة الحياة، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار والضغوط المرتبطة بالدخل والإنفاق والاستهلاك.
وأوضحت رمسيس في تصريحات سابقة لـ “القصة”أن تقدير الدولة لكفاية الحد الأدنى للأجور يرتبط، في كثير من الأحيان، بمدى قدرة الدخل على تغطية الاحتياجات الأساسية والضرورية، بينما تتسع حسابات الاقتصاديين لتشمل مختلف النفقات الثابتة والمتغيرة، مثل الغذاء والملابس والتعليم والصحة والمواصلات، إلى جانب متطلبات الادخار والاستثمار.
وأضافت أن الفارق بين التقديرين يظهر في التفاصيل التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي عند احتساب تكلفة المعيشة، رغم تأثيرها المباشر على ميزانية الأسرة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها اليومية.
وضربت مثالًا بالمصروفات الدراسية، موضحة أن تقدير تكلفة تعليم طالب بمبلغ محدد لا يعني أن هذا المبلغ يغطي جميع احتياجات العملية التعليمية، إذ تتحمل الأسرة نفقات إضافية تشمل الأدوات المدرسية والملابس والطعام والمواصلات، وهي أعباء ترفع التكلفة الفعلية للتعليم.
وأكدت رمسيس أن إغفال هذه النفقات عند تقييم كفاية الدخول قد يؤدي إلى صورة غير مكتملة عن الأوضاع المعيشية، لأن ما يُصنف باعتباره احتياجًا إضافيًا في بعض التقديرات الرسمية قد يمثل ضرورة يومية بالنسبة إلى المواطن.