أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

من الشارع إلى المقابر.. حين لا يكون الخوف بعيدًا عن باب البيت

في نهاية كل يوم، يغلق «عم سامي» باب منزله، ثم ينظر من النافذة قبل أن يطمئن إلى أن أبناءه عادوا إلى البيت. لم يعد خوفه مرتبطًا فقط بتأخر ابنه أو ابنته، وإنما بما يمكن أن يصادفهما في الطريق؛ شجار ينفجر فجأة، شاب يحمل سلاحًا أبيض، مجموعة تتبادل الشتائم في وضح النهار، أو شخص تحت تأثير المخدرات يتصرف بصورة يصعب التنبؤ بها.

الخوف الذي يعيشه «عم سامي» لا ينتهي عند الشارع أو الأسواق أو وسائل المواصلات. في بعض المناطق، تحدث الأهالي عن وجود تجار مخدرات وممارسي بلطجة داخل المقابر أو في محيطها، مستغلين طبيعة هذه الأماكن وقلة الحركة فيها للاختباء أو ممارسة أنشطتهم بعيدًا عن أعين الناس.

المشهد أكثر قسوة لأن المقبرة، بالنسبة إلى أهل الميت، ليست مجرد مكان لدفن الجسد، وإنما مساحة يذهبون إليها بحثًا عن لحظة هدوء؛ لقراءة الفاتحة والدعاء واستعادة ذكريات شخص لم يعد موجودًا.

أخبار ذات صلة

لوجو حزب الجبهة الديمقراطية المصرية
حزب الجبهة الديمقراطية يطالب بالكشف عن مصير 93 مصريًا انقطعت أخبارهم خلال رحلة بحرية إلى اليونان
حالة الطقس
انخفاض ملحوظ بدرجات الحرارة.. والعظمى في القاهرة 33
بين معاش هزيل لا يتجاوز 1755 جنيهًا، وأجر 8000 ألف جنيه، ومتطلبات حياة غالية، يعيش أصحاب المعاشات التقاعدية معاناة الفجوة القاسي.
المعاش يخلص يوم 10.. فكيف يعيش أصحابه حتى آخر الشهر؟

أم تذهب إلى قبر ابنها، وأب يزور زوجته، وابنة تقف أمام قبر والدها. هؤلاء لا يذهبون إلى مكان يفترض أن يكون ساحة للصراع، وإنما إلى مكان يطلبون فيه دقائق قليلة من السكينة.

لكن بعض الأسر، بحسب روايات الأهالي في بعض المناطق، أصبحت تتردد في زيارة مقابر أحبائها خوفًا من التعرض لمضايقات أو مشاجرات، أو مواجهة أشخاص تحت تأثير المخدرات أو يحملون أسلحة.

وحين يصبح الوصول إلى قبر شخص نحبه مرتبطًا بالخوف، لا تعود المسألة مجرد مخالفة قانونية؛ فالأمر يمس إحساس الإنسان بالأمان، وحرمة المكان الذي يلجأ إليه لاستعادة ذكرى من فقده.

الخوف في تفاصيل الحياة اليومية

القصة لا تقف عند المقابر.

«محمد. ج» شاب وجد نفسه أكثر من مرة أمام مجموعة من الشباب المعروفين في المنطقة بتعاطي المخدرات، يطلبون منه المال بطريقة لا تحتمل الرفض. يعرف أن بإمكانه أن يقول «لا»، لكنه يعرف أيضًا أن الرفض قد يتحول إلى مشكلة أو اعتداء.

يدفع المال وينصرف، ثم يعود إلى منزله وهو يسأل نفسه: هل أصبحت السلامة الشخصية مرتبطة بمدى قدرة الإنسان على إرضاء شخص يمارس البلطجة؟

وفي قطار مزدحم، تجلس “فاطمة م.” إلى جوار ابنتها، تحاول أن تشغلها بالحديث أو الهاتف، بينما تتردد حولهما ألفاظ جارحة ومضايقات من بعض الشباب.

لا تستطيع الأم أن تمنع ابنتها من سماع ما تسمع، ولا تعرف هل ترد أم تصمت. تعرف أن من حقها الاعتراض، لكنها تخشى أن يتحول اعتراض بسيط إلى مشاجرة أكبر، فتختار الصمت وتحاول فقط أن تنهي الرحلة دون مشكلة.

ثلاثة مشاهد مختلفة؛ أب يخشى على أبنائه من الشارع، وشاب يدفع المال حتى يتجنب الأذى، وأم تصمت في القطار حتى لا تعرض ابنتها لخطر أكبر، وأسرة تتردد في زيارة قبر عزيز عليها.

القاسم المشترك بينها هو الخوف من أن يتحول الاحتكاك اليومي إلى مواجهة لا يمكن السيطرة عليها.

الأمن.. ما بعد الاستغاثة

في المقابل، لا يمكن تجاهل الدور الذي تقوم به أجهزة الأمن في التعامل مع الاستغاثات والبلاغات التي تصل إليها، أو سرعة الاستجابة لكثير من الشكاوى، خصوصًا الوقائع التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

عندما يطلق مواطن استغاثة بشأن مشاجرة أو اعتداء أو واقعة مرتبطة بالمخدرات، تتحرك الأجهزة المختصة للتحقق من الواقعة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

لكن سرعة الاستجابة تفتح سؤالًا آخر: لماذا ننتظر دائمًا حتى تصل الاستغاثة؟

هل يمكن رصد المناطق التي تتكرر فيها الشكاوى؟ وهل يمكن تحديد الأماكن التي تتحول تدريجيًا إلى بؤر للمخدرات والمشاجرات؟ وهل يمكن أن تصبح الوقاية المبكرة جزءًا أكبر من المواجهة، بحيث لا يضطر المواطن أصلًا إلى الإمساك بهاتفه وطلب النجدة؟

الخبير الأمني اللواء أشرف أمين قال لـ«القصة» إن أجهزة الأمن تقوم بدورها وتبذل جهودًا مستمرة في مواجهة البلطجة والمخدرات، مشيرًا إلى أن حجم وطبيعة الجريمة تغيرا بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت أنماط الجريمة أكثر سرعة وتعقيدًا، كما أصبح الوصول إلى المعلومات المرتبطة بتصنيع بعض المواد المخدرة أو ترويجها أكثر سهولة، ولم تعد مصادر الخطر محصورة في عدد محدود من الأشخاص المعروفين.

وأشار أمين إلى أن الأجهزة الأمنية تكون في كثير من الأحيان سباقة إلى منع جرائم لا يعرف عنها المواطن شيئًا، لكن ما يصل إلى الرأي العام ويتصدر مواقع التواصل الاجتماعي هو الواقعة التي حدثت بالفعل، وهو ما قد يعطي انطباعًا غير مكتمل عن حجم الجهود المبذولة في الخلفية.

كما أشار إلى أهمية مواصلة تحديث الأطر التشريعية والإجرائية بما يواكب التغيرات في أنماط الجريمة، مؤكدًا أن منظومة العدالة الجنائية تعمل وفق قواعد وضوابط قانونية واضحة، وأن مواكبة المستجدات تظل أمرًا ضروريًا لتعزيز التكامل بين الجهات المعنية بمواجهة الجريمة.

ويطرح أمين عددًا من الرؤى الداعمة لجهود وزارة الداخلية، من بينها استمرار التواجد الأمني والدوريات المتحركة في محيط المناطق التي تشهد كثافات أو شكاوى متكررة، مثل الأسواق ومحطات النقل والمقابر.

كما يرى أهمية التوسع في منظومة كاميرات المراقبة باعتبارها أداة تساعد في الردع وكشف ملابسات الوقائع، إلى جانب البناء على منظومة الرصد والتحليل، واستثمار متابعة ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي في إعداد خرائط للمناطق التي تتكرر فيها الشكاوى، بما يساعد في توجيه الحملات الوقائية.

وفي السياق نفسه، يشير إلى أهمية التعامل مع طريقة تناول الجريمة في الدراما والأفلام، مع الحفاظ على التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية المجتمعية، حتى لا تتحول مشاهد البلطجة وتجارة المخدرات واستعراض القوة إلى سلوكيات تبدو طبيعية أو جاذبة، خاصة للشباب وصغار السن.

ويختتم أمين بالتأكيد على أن العلاقة بين المواطن ورجل الشرطة هي علاقة تكامل، وأن وعي المواطن وسرعة إبلاغه بالمعلومة الدقيقة يظلان من الركائز الأساسية لنجاح أي خطة أمنية.

أرقام تكشف جانبًا من الحكاية

ولا تظهر المخدرات في هذه الحكاية باعتبارها مشكلة أمنية فقط، فالأرقام تكشف جانبًا آخر يتعلق بحجم الاحتياج إلى العلاج والتأهيل.

خلال النصف الأول من عام 2025، قدم الخط الساخن لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي خدمات علاجية لـ71 ألفًا و673 مريضًا «جديد ومتابعة»، من خلال 34 مركزًا في 19 محافظة.

ووفق بيانات الصندوق، جاءت «أصدقاء السوء» في مقدمة العوامل المرتبطة بالتعاطي بنسبة 61%، بينما جاءت المخدرات الاصطناعية، ومنها الاستروكس والفودو والبودر والشابو، في مقدمة المواد المخدرة الأكثر انتشارًا بين المستفيدين من الخدمات العلاجية، تلتها مواد أخرى بينها الحشيش والهيروين والترامادول والتعاطي المتعدد.

هذه الأرقام لا تعني أن النسب تمثل المجتمع كله، لكنها تكشف حجمًا من الاحتياج إلى العلاج، وتوضح أن مواجهة المخدرات لا تجري فقط في الشارع أو داخل أقسام الشرطة، وإنما أيضًا داخل مراكز العلاج والبيوت.

حين تتحول القوة إلى ثقافة

ومن منظور علم النفس، قال الدكتور أحمد فخري، أستاذ علم النفس الإكلينيكي ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس، لـ«القصة»، إن جزءًا من المشكلة يرتبط بوجود فئات تثمن القوة والمال والعصبية على حساب الأخلاق والضمير والقيم الإنسانية، بما قد يغذي لدى الأجيال الجديدة فكرة أن النفوذ والقوة هما الطريق لفرض الذات والسيطرة على الآخرين.

وأشار فخري إلى أن مفهوم القوة قد يتحول في بعض البيئات إلى الاستقواء والبلطجة واستعراض النفوذ، وقد ترتبط به المخدرات باعتبارها عاملًا قد يزيد فقدان السيطرة على السلوك ويشجع بعض الأشخاص على ارتكاب أفعال عدوانية.

ويرى أن غياب الدور التربوي داخل بعض الأسر، وانتشار أفكار مثل الثراء السريع بأي وسيلة، أو الاعتقاد بأن «الضعيف لا مكان له»، يمكن أن يسهم في تشكيل هذا النمط من السلوك.

ولا يتوقف الأمر، بحسب رؤيته، عند الأسرة، إذ يرى أن الإعلام والدراما لهما تأثير في تشكيل وعي المراهقين عندما تقدم بعض الأعمال البلطجة والعنف والمخدرات والتنمر باعتبارها مظاهر للقوة.

في المقابل، يؤكد فخري أهمية التعليم وجودته في بناء الوعي وتعديل السلوك، إلى جانب تطبيق القانون، ودور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في دعم الأسر، ومراكز الشباب والأندية في توفير بدائل آمنة للشباب، والإعلام في نشر القيم ونبذ العنف.

الوقاية تبدأ قبل الجريمة

ومن زاوية تربوية، أوضح الدكتور محمود بدوي، أستاذ أصول التربية بجامعة المنوفية، لـ«القصة»، أن مواجهة المخدرات والبلطجة لا تبدأ عندما يصل الشاب إلى قسم الشرطة، وإنما قبل ذلك بسنوات داخل البيت والمدرسة.

فالأسرة تحتاج إلى الحوار ومعرفة أصدقاء الأبناء وملاحظة التغيرات المفاجئة في سلوكهم، بينما لا يقتصر دور المدرسة على التعليم الأكاديمي، وإنما يمتد إلى اكتشاف المشكلات السلوكية وتوجيه الطلاب وتعليمهم كيفية التعامل مع الغضب وضغوط الأصدقاء.

كما أن الرياضة والفن والأنشطة ليست مجرد وسائل لملء وقت الفراغ، وإنما يمكن أن تمنح الشاب مساحة للانتماء وتحقيق الذات بعيدًا عن دوائر العنف والمخدرات.

الأمن أم المجتمع.. من المسؤول؟

ربما تبدو الإجابة سهلة إذا جرى البحث عن طرف واحد لتحميله المسؤولية، لكن تفاصيل المشهد تقول شيئًا أكثر تعقيدًا.

الأمن يضبط ويردع ويحمي، والأسرة تربي وتحتوي، والمدرسة تكتشف وتوجه، ومراكز الشباب توفر بدائل للشباب، والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني يشاركان في بناء الوعي، بينما يستطيع الإعلام أن يقدم صورة مختلفة لمعنى القوة.

المشكلة لا تبدأ بالضرورة عند لحظة الجريمة، وربما يكون التعامل معها أكثر فاعلية عندما يبدأ قبل أن يصل الشاب إلى المخدرات أو البلطجة، وقبل أن تتحول منطقة ما إلى مكان يخشاه سكانها.

فالأخطر ليس فقط أن تتكرر المشاجرات أو تنتشر المخدرات، وإنما أن يعتاد الناس عليها؛ أن يدفع شاب المال لمن يهدده ثم يعتبر الأمر جزءًا طبيعيًا من حياته، وأن تصمت أم أمام مضايقة تتعرض لها ابنتها خوفًا من التصعيد، وأن تتردد أسرة في زيارة قبر عزيز عليها خوفًا ممن حوله.

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال فقط: من المسؤول عن المخدرات والبلطجة؟

يصبح السؤال الأهم: كيف يصل الأمان إلى الشارع، والأسواق، ووسائل المواصلات، وحتى المقابر، قبل أن يصبح الخوف جزءًا عاديًا من حياة الناس؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

64e0eedb-9640-4d86-b2c6-9137731de281
أبعد من واقعة محافظ وشجرة ووزير ومدرسة.. هل نحتاج عقدًا اجتماعيًا جديدًا؟
slk,]
أجور مؤجلة وحقوق معلقة.. ماذا يحدث في وبريات سمنود؟
تنزيل
من الشارع إلى المقابر.. حين لا يكون الخوف بعيدًا عن باب البيت
WhatsApp Image 2026-09-17 at 12.14
هل حان وقت عودة هؤلاء إلى مصر؟

أقرأ أيضًا

وزارة الدولة للإعلام
لقاء "رشوان" والمواقع الصحفية: فضفضة تشترط "الترخيص".. ومؤشر مبكر لمؤتمر ديسمبر
حسام مؤنس
حسام مؤنس: الدولة ترى السياسة عبئا عليها.. وتواجهها بالقبضة الأمنية| حوار (1)
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
أسعار الخضروات
تعرف على أسعار الخضروات والفاكهة اليوم الخميس